نزاهة الشعائر الحسينية

نقد مقالة «التطبير والأعمال المستهجنة في العزاء الحسيني»(*)

 

الشيخ محسن محقق(**)

الشيخ حسين سيف اللهي(***)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

 

مقدمة

لقد بات عزاء سيد الشهداء× رمزاً من رموز التشيع، مع أن هناك من غير الشيعة ـ كأهل السنة والأديان الأخرى ـ من يهتم أيضاً بهذه الشعائر، ويبكي مظلوميته، وينذر له النذور والقرابين.

وقد اهتم الشيعة بهذه الشعائر الحسينية، ودأبوا على إحيائها عاماً بعد عام في نماءٍ وازدهار؛ تعبيراً عن وفائهم لدماء الحسين وتضحياته، وتقرباً للباري عز وجل. ولا يفوتنا في هذا الصدد ذكر ما لذلك من نتائج ملموسة ومعطيات غير محسوسة أيضاً، كفوائد التعرف على فكر أهل البيت^ والأحكام الشرعية، وتنمية روح التآخي في المجتمع، والشعور بالرضا والتقرب إلى الله، والتوبة والإنابة إليه، وتدعيم المناعة والاطمئنان لدى الفرد والمجتمع، وغير ذلك من المعطيات المادية والمعنوية.

وعلى الرغم من هذا كله نشاهد بين الفينة والأخرى ظهور بعض الآراء ـ على الصعيد النظري والعملي، ودون أي قصد مسبق سوى عدم الدراية الكافية بالنصوص الشيعية المعتبرة ـ متخذة اتجاه الإفراط أو التفريط في بعض المعتقدات الدينية، ومنها: موضوع الشعائر الحسينية. فعلى سبيل المثال: هناك من يستعمل الآلات الموسيقية في مجالس العزاء، أو ينشد بعض الأبيات بمضامين مغلوطة لا تليق بمكانة الإمام الحسين وأهل البيت^. وعلى الصعيد النظري أيضاً صار البعض ينظر إلى بعض المستحبات والأعمال المباحة بعين الحرمة، فراحت الأقلام تكتب وتنظّر؛ بذريعة الإصلاح، في قضايا المجتمع الثقافية والدينية، وصار كلٌّ يجرّ النار إلى قرصه.

من المعلوم أن الأضرار الناجمة عن جبهة التفريط ليست أقل وطأة على المنظومة الفكرية والدينية في كل مجتمع من الأضرار الناجمة عن جبهة الإفراط. ويبقى على عاتق العلماء والمحققين إرشاد وتوجيه الطرفين إلى طريق الصواب والاعتدال. يقول الإمام علي×: «اليمين والشمال مخلة، والطريق الوسطى هي الجادة، عليها يأتي الكتاب وآثار النبوة»([1]).

والبحث الحالي هو نقد لمقال السيد محمد تقي أكبر نجاد، المنشور على صفحات مجلة أهل البيت^، العدد 48، شتاء 1385هـ. ش، تحت عنوان: «قمه زني وأعمال نا متعارف در عزاداري» [التطبير والأفعال المستهجنة في مجال العزاء الحسيني]، إذ خصص الكاتب قسماً من المقال في 16 صفحة لدراسة الحكم الشرعي للتطبير، وأورد في هذا المضمار آراء جملة من الفقهاء وفتاواهم، مؤكِّداً على حرمته. ولسنا هنا في صدد التعرض لهذا القسم من مقاله، بل هدف هذا البحث نقد الجانب الأول من ذلك المقال، ويقع في 18 صفحة. وقد تبنى الكاتب خلالها رأيين واضحين ـ دافع عنهما خلال مقاله ـ هما:

الأول: إن الروايات الواردة في عزاء الحسين× لم تذكر سوى مسألة البكاء عليه. كتب يقول: «لم تؤكد نصوص المعصومين^ على فضيلة عزاء الإمام الحسين× إلا في إطار البكاء؛ فإذا راجعنا الروايات الواردة في ثواب عزاء سيد الشهداء لن نجد سوى البكاء وزيارة قبره الشريف»([2]).

الثاني: إن بعض الأفعال ـ التي اصطلح عليها بالمستهجنة والمنافية للوقار ـ، من قبيل: اللطم على الرأس والوجه والصدر، وضرب الرأس بالحائط، كل هذه أعمال محرَّمة حتى في عزاء أبي عبد الله×، ويجب تركها.

يقول الكاتب: «…حتى في عزاء الإمام الحسين× أيضاً لا ينبغي القيام بما ينافي الوقار والحشمة، وإن مجرد لطم النساء في كربلاء لا يمكنه أن يكون دليلاً على الجواز؛ لأن هذا العمل جاء في أجواء خاصة وصعبة للغاية، فرضت على تلك النسوة، وجاءت ردة الفعل منهن على وفق طبيعتهن النسوية»([3]).

وقال في موضع آخر: «…إن الخدش واللطم وجزّ الشعر حرام مطلقاً. كما أنه قد يوجب الكفارة في بعض الحالات»([4]).

وقال أيضاً: «…إذاً اتضح أن الحرمة ـ وخلافاً للتصور السائد عن مسألة التطبير ـ ليست حكماً ثانوياً، بل هي محرمة في حكمها الأولي. وإذا كان بعض العلماء في السابق قد أفتوا بالجواز فإنما كان ذلك للضرورة والمقتضيات الثانوية. أما اليوم فلا عاشوراء مهددة بالإنكار، ولا ترك التطبير يسبِّب خللاً في مراسم العزاء. كما أن الحكم الثانوي قد انتفى، وعادت هذه المسائل إلى حكمها الأولي. وتأسيساً عليه فإن جميع هذه الأعمال ـ من تطبير ولطم وخدش الوجه وضرب الرأس وغيرها ـ مخالفة للشرع المقدس، بل إن بعضها موجب للكفارة أيضاً»([5]).

لم يفرق الكاتب بين حكم مصاديق العزاء الحسيني الأخرى ـ غير البكاء ـ وبين حكم التطبير، فعدّ جميع الأعمال ـ باستثناء البكاء ـ حراماً، من قبيل: اللطم على الصدر والوجه، وضرب الرأس بالحائط. وقد شدد على ذلك في جميع صفحات مقاله، وسعى من خلال ذلك إلى نسبة هذه العقيدة ـ أي حرمة الأعمال المنافية للوقار ـ إلى الأئمة^، في حين أن الروايات الواردة في جواز واستحباب بعض الأعمال ـ غير البكاء ـ كثيرة جداً. ويبدو أن غيابها عن الكاتب دليل على نقص تتبُّعه في عملية التحقيق. ويمكن تقسيم تلك الروايات إلى عدة مجموعات، نذكر منها:

الأولى: الروايات الدالة على استحباب الجزع في مصيبة سيد الشهداء وأهل البيت^.

الثانية: روايات استحباب اللطم، من ضرب الوجه والصدر، وبالسلاسل أيضاً، وشقّ الثياب في عزاء الحسين وأهل البيت^.

الثالثة: روايات استحباب إنشاء المراثي في أبي عبد الله والمعصومين^.

الرابعة: روايات وضع العباءة والعمامة والنعل في مراسم العزاء.

وقبل الولوج في تفاصيل هذه الروايات لابد من التذكير بمسألة، وهي أن المقال المشار إليه ـ علاوة على عدم الشمولية والاستيعاب ـ قد وقع في إخفاقات أخرى أيضاً، كالخطأ في فهم بعض النصوص الروائية، ومنها ما سيمر بنا خلال البحث. ونظراً إلى أن مدعى الكاتب الأساسي هو عدم تطرق المعصومين في أحاديثهم إلى غير البكاء وزيارة القبر الشريف، وبالتالي نفيه للاستحباب، بل وإنكاره جواز غيرها من الأعمال، كاللطم، والتأكيد على حرمتها في الحكم الأولي، فإن جهدنا سينصب على نقل الروايات؛ نقضاً لهذه الفكرة، دون أن نغفل عن آراء الفقهاء والفتاوى، وليس غرضنا الخوض في التفاصيل الفقهية ومباحثها، وإن لم يكن لنا مناص منها في بعض الأحيان.

 

المجموعة الأولى: روايات استحباب الجزع في مصيبة الحسين وأهل البيت^

يقول الكاتب: نستنتج من عشرات الآيات ومئات الروايات بأن التحمل والصمود في وجه المحن والصعاب هو السبيل الأمثل في الإسلام، وليس الجزع والفزع ([6]).

كما سعى إلى تبرير حادثة تمزيق الإمام العسكري× ثيابه في عزاء الإمام الهادي×، محاولاً نفي أن يكون هذا العمل من مصاديق الجزع، فقال: القضية الأخرى في الموضوع هي أن شق الثياب لا يندرج تحت مسمى الجزع والفزع، وإنما هو تعبير عن عمق المأساة والتأثر بها([7]).

ومع أن الكاتب كان قد ركّز بحثه حول حرمة بعض مصاديق الجزع، كاللطم في عزاء الإمام الحسين×، فإنه يفهم من عباراته ـ وقد مر ذكر جانب منها ـ أنه لا يرى الجزع جائزاً مطلقاً؛ حتى في عزاء الأئمة وسيد الشهداء^. وبغضّ النظر عمّا إذا كان يقول بحرمة مطلق الجزع، أو المصاديق المذكورة خاصّة، فإننا سنرى خلال تعريف الجزع وأقسامه، واستعراض الروايات والفتاوى في هذا الموضوع، أن مكانة العزاء على أهل البيت^، ولا سيما سيد الشهداء×، مختلفة عن غيرها من أنواع العزاء؛ بلحاظ قدسيته. وعليه فإن الجزع في مصاب أهل البيت وسيد الشهداء^ ـ وإن كان ضمن المصاديق المذكورة ـ عبادة كبرى.

إذاً علينا أولاً تعريف الجزع، واستقراء أقسامه، ومن ثم ذكر بعض الروايات والفتاوى الدالة على استحباب الجزع على الإمام الحسين×.

 

مفهوم الجزع ومصاديقه

الجزع في اللغة هو القطع. وهو أيضاً في مقابل الصبر([8])، وإن كان البعض يرى القطع هو المعنى الحقيقي، وأرجعوا إليه المعنى الثاني([9]). وعليه فالإنسان الجازع هو الذي يترك الصبر والطمأنينة، ويقطع حبلهما([10]).

وعلى أية حال فإن الثابت من معنى الجزع في المصاب هو فقدان الصبر. وكلما تجسد ذلك للعيان وقع الجزع. ففي قصة يوسف× يذكر أن يعقوب بكى لفراق ولده حتى ابيضت عيناه، قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ (يوسف: 84).

وقد بلغ به الجزع أن خشي عليه أولاده أن يموت من شدة الحزن على فراق يوسف: ﴿تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ﴾ (يوسف: 85).

وقد قال الإمام المهدي# في مصاب جده الحسين×: «ولأبكين عليك بدل الدموع دماً»([11]). كما أن الزهراء بكت أباها‘ حتى أبدى أهل المدينة انزعاجهم من إفراطها في البكاء. ومثل ذلك بكاء وحزن زين العابدين× المستمر على أبيه الحسين حتى آخر أيام حياته المباركة، فكان يمزج طعامه وشرابه بدموع عينيه، حتى قال له خادمه: أخشى عليك الموت. وقد بكى يوسف× على فراق أبيه وهو في السجن حتى اعترض عليه نزلاء السجن، وطلبوا منه أن يبكي ليلاً أو نهاراً. وكل هذه الوقائع مصاديق واضحة لمفهوم الجزع([12]).

ومن هنا لا يمكن القول بأن الجزع محرَّم مطلقاً، وإنما المصائب ـ بشكل عام ـ على نحوين، ويقسم الجزع فيها إلى ثلاثة أقسام: محرم؛ ومكروه؛ ومستحب.

 

أقسام المصائب

تنقسم المصائب إلى نوعين، ولا ينبغي الخلط بين أحكام كلِّ واحد منها:

 

1ـ المصائب البشرية

وهي التي تحمل طابعاً فردياً ودنيوياً، من قبيل: المشاكل التي تعترض حياة الإنسان، كالمرض، والفقر، وموت الأحباب، وغيرها. وهي تحصل بحكمة الباري لابتلاء الناس واختبار صبرهم.

 

2ـ المصائب الإلهية

ونعني بها تلك التي لا تحمل الطابع الفردي والدنيوي، وإنما هي مرتبطة بالمسائل الدينية والأخروية المعنوية، ومنها: مصائب أولياء الله.

 

أنواع الجزع وأحكامها

يقسم الجزع من حيث الحكم الشرعي إلى ثلاثة أنواع: المحرم؛ والمكروه؛ والمستحب. كما يقسم من حيث الموضوع إلى ثلاثة أيضاً:

الأول: الجزع الحاصل نتيجة عدم الرضا بقضاء الله وقدره.

وهذا النوع محرم قطعاً، حتى وإن كان في مصاب أولياء الله؛ لأن الاعتراض على القضاء الإلهي لا يمكن أن يشمله استثناء، ويبقى محرَّماً بكل أشكاله، فهو من عادات الجاهلية المرفوضة. وللفقهاء إجماعهم على هذا المبدأ، ولا يوجد مسلم في العالم يجوّز مثل هذا العمل إطلاقاً.

الثاني: الجزع الحاصل خلال المصائب العادية؛ تنفيساً عن الهموم والمعاناة الشخصية.

وهذا النوع من الجزع ـ وإن لم يشتمل على رفض القضاء الإلهي ـ لا يحمل في مضماره هدفاً وغاية إلهية، ولذا فهو ليس محرَّماً بالمطلق، وإنما هو مكروه عند عامة الفقهاء، إلا بعض مصاديق الجزع التي نالت الإجماع في حرمتها؛ لوجود دليل خاص، من قبيل: جزّ الشعر، وجرح الرأس والوجه، وشق الثوب، إلا في بعض الحالات، كموت الأخ. وقد ضعّف البعض ـ كالسيد الخوئي ـ أدلة حرمة هذه المصاديق([13])، واختار الإمام الخميني الاحتياط في تركها([14]).

لقد أوصت الشريعة في مثل هذه الحالات بضبط النفس، والخضوع أمام قضاء الله وقدره، والصبر على البلاء؛ لنيل ثوابه. فهذا هو السبيل الوحيد في التعامل مع المصيبة في إطار التقرب إلى الخالق. وتحمل على هذه الأقسام المذكورة جميع الروايات التي تذم الجزع في المصاب، أو عينت له كفارة أيضاً.

الثالث: الجزع في مصائب أولياء الله؛ تعبيراً للغضب والسخط على أعدائهم، والبراءة مما اقترفوه، وكذلك حباً لأولياء الله، الذي هو بلا شك حب في الله ولله.

إن مثل هذا الجزع ـ ومنه الجزع على سيد الشهداء× ـ مستحب، ومن العبادات العظيمة أيضاً؛ وذلك لأن المصيبة ذات طابع رباني من جهة، وإن الجازع فيها لا يقصد من ذلك التنفيس عن همه الشخصي من جهة أخرى، بل إن الجزع في مصاب ولي الله جاء بغرض مناهضة الظلم والظالمين، وإعلان ذلك للعالم؛ إحياءً للذكرى، وتخليداً لمكانة صاحب المصاب والمظلوم.

وعليه فإن صفع الرأس والوجه، أو اللطم على الصدر، والضرب بالسلاسل ـ ولو مع الألم الشديد وخروج الدم ـ، والصراخ، ليست محرمة أو مكروهة، ما لم تصل حدّ الإيذاء للنفس وإنما هي نموذج حيّ لمعنى التولي والتبري، ومن خير العبادات أيضاً.

ولابد لنا هنا من استعراض بعض الروايات الدالة على استحباب الجزع على سيد الشهداء×، وبعض الفتاوى الفقهية:

 

أ ـ الروايات

1ـ رواية معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين×([15]).

وردت هذه الرواية ـ مع اختلاف في النص ـ في العديد من المصادر الروائية المعتبرة. وهي تدل ـ فضلاً عن جواز البكاء على الإمام ـ على جواز الجزع عليه. وقد وصف صاحب الجواهر هذا الحديث بالحسن. واستناداً إليه وإلى غيره من الروايات، مضافاً إلى سيرة الشيعة والمتدينين، حكم صاحب الجواهر بجواز الجزع على الإمام الحسين×، كما جوَّز أيضاً بعض المصاديق الأخرى للجزع، كلطم الوجه والصدر، والصراخ، وجزّ الشعر، حيث قال: «على أنه قد يستثنى من ذلك [حرمة الجزع في المصيبة] الأنبياء والأئمة^، أو خصوص سيدي ومولاي الحسين بن علي×، كما يشعر به الخبر المتقدّم، وكذا غيره من الأخبار، التي منها: حسن معاوية السابق، عن الصادق: «كل الجزع والبكاء مكروه، ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين×»، المراد به فعل ما يقع من الجازع من لطم الوجه والصدر، والصراخ، ونحوها، ولو بقرينة ما رواه جابر، عن الباقر×: «أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجزّ الشعر…إلى آخره»، مضافاً إلى السيرة في اللطم والعويل ونحوهما مما هو حرام في غيره قطعاً، فتأمّل»([16]).

وعلق السيد الخوئي& على أدلة حرمة بعض مصاديق الجزع، كاللطم، وجز الشعر، مضعّفاً تلك الأدلة، فقال: «نعم، استثنى الأصحاب من حرمة تلك الأمور الإتيان بها في حق الأئمة^ والحسين، مستندين فيه إلى ما فعلته الفاطميات على الحسين بن علي، من لطم الخد، وشقّ الجيب، كما ورد في رواية خالد بن سدير.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه مما لا شك فيه أيضاً جواز البكاء على غير سيد الشهداء×، حيث تتوافر الأدلة العقلية والنقلية عليه، ولهذا فسر الفقهاء والمحدثون الأجلاء معنى لفظ «مكروه» الوارد في الرواية بوجوه عدة، منها:

أـ إن المراد هو مرافقة البكاء للجزع، بمعنى أن البكاء المصاحب للجزع مكروه إلا على الإمام الحسين×([17]).

ب ـ إن البكاء على سائر الناس لا يستحق الثواب الكامل، وإنه لا بكاء وجزع يستحق الثواب بقدر البكاء والجزع على سيد الشهداء×؛ حيث إن الكراهة هنا بمعنى «الأقل ثواباً»، وهو مستعمل في الروايات وكلمات الفقهاء([18]).

يمكن أن يتصور من هذه الروايات دلالتها على جواز الجزع على سيد الشهداء، دون الاستحباب. وعلى الرغم من أن هذا يكفي في نقض مدعى الكاتب، إلا أن الروايات الدالة على الاستحباب أيضاً ليست بالقليلة. وهنا نذكر بعضاً من الروايات الدالة على مطلق استحباب الجزع، موكلين ذكر الروايات في مصاديق الجزع إلى المجاميع اللاحقة:

2ـ رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله×، قال: سمعته يقول: إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي، فإنه فيه مأجور([19]).

وهذه الرواية معتبرة أيضاً. ويمكن الاستناد إليها؛ لأن مضمونها مشابه للرواية السابقة من جهة، وكونها مذكورة في كتاب كامل الزيارات من جهة أخرى. ومن المعلوم أن هذا الكتاب من كتب الشيعة المعتبرة، كما أن مؤلِّفه لم يروِ إلا عن ثقات.

3ـ وقال أمير المؤمنين× على قبر رسول الله‘ ساعة دفنه: إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك([20]).

وهذه الرواية مما ورد في نهج البلاغة، وهي منسجمة المضمون مع الروايات الأخرى، الأمر الذي يمنحها أهلية الاستدلال بها، فلا داعي لمراجعة سندها.

4ـ رواية مسمع بن عبد الملك، قال: قال لي أبو عبد الله ـ في حديث ـ: أما تذكر ما صنع به، يعني الحسين×؟ قلت: بلى، قال: أتجزع؟ قلت: إي والله، وأستعبر بذلك، حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، فقال: رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا…([21]).

وهذه الرواية ـ كالرواية الثانية ـ وردت في كامل الزيارات، فهي موثَّقة، ويمكن الاعتماد عليها أيضاً.

5ـ جاء في الدعاء المعروف بدعاء الندبة: فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي(صلى الله عليهما وآلهما) فليبكِ الباكون، وإياهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتذرف الدموع، وليصرخ الصارخون، ويعجّ العاجون([22]).

6ـ رواية صفوان الجمال قال: خرجت مع الصادق× من المدينة أريد الكوفة…، فلما جزنا بالحيرة، وصرنا إلى قائم الغري، ضرب بيده إلى الأرض، فأخرج منها كفاً من تراب، فشمه، ثم شهق شهقة حتى ظننت أنه فارق الدنيا…، فلما أفاق قال: ها هنا والله مشهد أمير المؤمنين…، فقلت ما منع الأبرار من أهل البيت^ من إظهار مشهده؟ قال: حذراً من بني مروان والخوارج أن تحتال في أذاه([23]).

7ـ رواية معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبد الله×، فقيل لي: ادخل، فدخلت، فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتى قضى صلاته، فسمعته، وهو يناجي ربه، ويقول: يا من خصّنا بالكرامة، وخصنا بالوصاية، ووعدنا بالشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لإخواني، ولزوّار قبر أبي عبد الله…، فارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا([24]).

إن هذه الروايات المعتبرة تدل وبوضوح تامّ على استحباب الجزع ـ فضلاً عن البكاء ـ على أبي عبد الله والمعصومين^، وأنه مما يسرّهم، وفيه أجر وثواب. ففي رواية مسمع أنه عندما امتنع عن الأكل والشرب، وظهرت عوارض ذلك على وجهه، حظي بتشجيع الإمام الصادق×، حتى قال له: إنك بذلك ستحسب مع الجازعين علينا. كما ورد في عبارات دعاء الندبة الكلام عن الصارخين والعاجّين. إذاً ليست الروايات مقتصرة على عنصر البكاء وحده.

 

ب ـ الفتاوى الفقهية

1ـ سئل السيد الخوئي: يحرَّم اللطم على الإمام الحسين× إذا كان عنيفاً يؤدي لإدماء الصدر أو الألم الشديد؛ لأنه ليس أسلوباً حضارياً، ويسبّب ضرراً للجسد، وكل إضرار بالجسم حرام، ما رأيكم؟

فأجاب: اللطم وإنْ كان من الشديد؛ حزناً على الحسين×، من الشعائر المستحبة؛ لدخوله تحت عنوان الجزع، الذي دلت النصوص المعتبرة على رجحانه، ولو أدى في بعض الأحيان إلى الإدماء واسوداد الصدر، ولا دليل على حرمة كل إضرار بالجسد ما لم يصل إلى حد الجناية على النفس، بحيث يعدّ ظلماً لها. كما أن كون طريقة العزاء حضارية أو لا ليس مناطاً للحرمة والإباحة، ولا قيمة له في مقام الاستدلال، والله العالم([25]).

2ـ سئل الشيخ جواد التبريزي: ما هو رأيكم المبارك في لبس السواد واللطم على الصدر أثناء إحياء مراسم العزاء لسيد الشهداء× ـ وفي شهر محرم الحرام ـ وباقي الأئمة الأطهار^؟

فأجاب: لا إشكال ولا ريب ولا خلاف بين الشيعة الإمامية في أن اللطم ولبس السواد من شعائر أهل البيت^، ومن المصاديق الجلية للآية: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ (الحج: 32). كما أنها من مظاهر الجزع، الذي دلت النصوص الكثيرة على رجحانه في مصائب أهل البيت^ ومآتمهم. ومن يحاول تضعيف هذه الشعائر أو التقليل من أهميتها بين شباب الشيعة فهو من الآثمين في حق أهل البيت^، ومن المسؤولين يوم القيامة عمّا اقترفه في تضليل الناس من جهة مظالم الأئمة^. ثبّت الله المؤمنين على الإيمان والولاية، والله الهادي إلى سواء السبيل([26]).

3ـ قال السيد محمد صادق الروحاني: لا إشكال في جواز لطم الصدر والوجه إلى حد الاحمرار أو الاسوداد، بل حتى وإن أدى ذلك إلى الإدماء. وهكذا بالنسبة لضرب الظهر بالسلاسل. فلا شبهة في رجحان جميع هذه الأعمال؛ حيث روي عن الصادق× أنه على مثل الحسين× فلتشقّ الثياب، ولتخدش الوجوه([27]).

 

المجموعة الثانية: روايات استحباب اللطم ـ على الصدر، وبالسلاسل، وعلى الوجوه ـ وشق الثوب في مصاب سيد الشهداء، وأهل البيت^

اللطم في اللغة: «ضرب الخد وصفحات الجسم ببسط اليد»([28]). ومع أن لفظ الضرب بالسلاسل غير موجود ظاهراً في الروايات ـ لا نفياً ولا إثباتاً ـ، ولم يكن على عهد المعصومين^، إلا أنه يمكن إدراجه تحت عنوان اللطم، وإجراء حكم اللطم على الصدور عليه، كما هو ملاحظ في فتاوى العلماء، وقد روينا بعضها.

وعلى أية حال فاللطم ـ على الصدر، وبالسلاسل، وعلى الرأس والوجه ـ من مصاديق الجزع الواضحة. ويدل على ذلك نص الرواية المتقدمة عن جابر، عن الباقر: «أشد الجزع الصراخ بالويل، والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر من النواصي»([29]). والنتيجة أن إثبات استحباب الجزع على سيد الشهداء مستلزم لإثبات استحباب اللطم أيضاً. ومع هذا نجد الكاتب يصرّ في مقاله على نفي مشروعية اللطم، وحاول جاهداً تضعيف أو تأويل الروايات الدالة على جواز اللطم ونحوه، في حين أن ذلك مخالف للنصوص وفتاوى الفقهاء على مر التاريخ الإسلامي، حيث لم يحرِّم أحد من الفقهاء اللطم على سيد الشهداء× وغيره من المعصومين، بل كانوا يؤكدون على استحبابه أيضاً، حتى أن بعض الفقهاء جوَّز تلك الأعمال في حق شهداءالحرب([30]). لذا تحتم علينا الضرورة مراجعة الروايات المتعلقة باللطم، وما ورد فيه من فتاوى.

 

لطم الفاطميات على سيد الشهداء×

من النصوص الدالة على استحباب اللطم في عزاء الحسين× رواية خالد بن سدير التي تنقل لنا ما قامت به النسوة من لطم حزناً على الإمام، وقد حظي هذا العمل بتأييد المعصوم×، قال: سألت أبا عبد الله× عن رجل شقّ ثوبه على أبيه، أو على أمه، أو على أخيه، أو على قريب له، فقال: لا بأس بشق الحبوب، قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون، ولا يشق الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها، وإذا شق زوج على امرأته، أو والد على ولده، فكفارته حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى يكفِّرا ويتوبا من ذلك، وإذا خدشت المرأة وجهها، أو جزّت شعرها، أو نتفته، ففي الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وفي الخدش إذا دميت، وفي النتف، كفارة حنث يمين، ولا شيء في اللطم على الخدود، سوى الاستغفار والتوبة، وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود، الفاطميات على الحسين بن علي×، وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب([31]).

ويتضح من الرواية استعراضها الأقسام التي تطرقنا لها سابقاً بعبارات ذات دلالة بينة، فالرواية تجيز أنماطاً من اللطم، وتعد منه ما هو مكروه، وما هو محرم أيضاً ومستوجب للكفارة. كما أنها أيّدت ظاهرة شق الجيوب في عزاء الحسين× بشيء من التأكيد.

أما الرواية الدالة على استحباب الجزع ـ وخصوصاً اللطم ـ في مصاب سيد الشهداء× فهو ما ورد في زيارة الناحية المقدسة([32])، المنسوبة لصاحب العصر والزمان#. وإليك منها ثلاث فقرات ذات دلالة على ما نحن في صدده:

الأولى: جزع الإمام المهدي في مصيبة الحسين×: …فلئن أخرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محارباً، ولمن نصب لك العداوة مناصباً، فلأندبنك صباحاً ومساء، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً، حسرةً عليك، وتأسفاً على ما دهاك، وتلهفاً على فراقك، حتى أموت بلوعة المصاب، وغصة الاكتياب…

فهذا النص بيّن الدلالة على جزع الإمام# في مصاب جده الحسين×. وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب كان قد نقل هذه الفقرة، وعلَّق عليها بقوله: لم يذكر الإمام في الرواية شيئاً سوى البكاء.

ولا شك أن الندبة ـ في قوله: فلأندبنّك صباحاً ومساءً ـ هي غير البكاء، ثم إن عبارات: «بدل الدموع دماً»، و«حسرةً»، و«تأسفاً، وتلهفاً»، و«حتى أموت بلوعة المصاب، وغصة الاكتياب»، كلها تحكي حقيقة ما وراء البكاء، تعبيراً عن مدى وقع المصيبة وعظمتها، وكونها تستحق كل أشكال الجزع والانفعال.

زِدْ على هذا أن ما سيردُ في الفقرة الثانية والثالثة من جزع الفاطميات ـ أعم من اللطم والعويل ـ، ولطم الحور العين أيضاً، هو نماذج أخرى غير البكاء.

الثانية: جزع الفاطميات في مصاب الحسين×: …وأسرع فرسك شارداً، إلى خيامك قاصداً، محمحماً باكياً، فلما رأين النساء جوادك مخزياً، ونظرن سرجك عليه ملوياً، برزن من الخدور، ناشرات الشعور، وعلى الخدود لاطمات، للوجوه سافرات، وبالعويل داعيات، وبعد العز مذلّلات، وإلى مصرعك مبادرات، والشمر جالس على صدرك…

تروي هذه الفقرة جزع الفاطميات مع التأييد والتقرير، كما هو رأي كلّ من استند لها من العلماء، ومع ذلك نجد الكاتب يدعي عدم تطرق الإمام# لغير البكاء. وقد أورد هذه الفقرة نفسها، رافضاً أن تكون دليلاً على جواز اللطم ونحوه من خلال جملة من النقاط:

1ـ جاء في المقال: أولاً: إن نقل الإمام# لأحداث عاشوراء في الزيارة ليس دليلاً على تأييده لها…([33]).

ولكن الإمام× لم يكن مجرد راوٍ يسرد لنا أحاديث يوم عاشوراء، بل إن تفاصيل زيارة الناحية المقدسة تنمّ عن مبدأ الحب والبغض، فهو# يبيّن هنا فعل الأعداء، وموقف أهل البيت^، فهو يروي مظلومية وأحقية أهل البيت^، مع إظهار المحبة والولاء، ويستعرض حقيقة الأعداء وجورهم، مع إظهار شجبه وانزجاره من تلك الممارسات.

وعليه إذا دققنا في سياق العبارة سنجد أن نقل جز الفاطميات مصاحب للإمضاء والتأييد. ثم إن رواية خالد بن سدير عن الصادق×، التي ذكرناها سابقاً، صريحة الدلالة على تأييد عمل الفاطميات: «وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود، الفاطميات على الحسين بن علي×، وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب».

2ـ ورد في المقال: ثانياً: إن أداء نساء الشهداء ليس حجةً شرعية، فهنّ في حالة مأساوية… وإذا أراد الفقيه استنباط حكم من ذلك فإن غاية ما يمكن أن يكون هو اقتصار ذلك الحكم على الحالات المشابهة…([34]).

ونقول: أولاً: إن عمل النسوة ليس حجة في ذاته، لكنه سيكون حجة إن أيده الإمام المعصوم وقرره؛ نظراً لكون الإمام هادياً ومرشداً، وليس مجرد راوٍ، فكل ما يصدر منه من أقوال وأفعال هو بداعي هداية الناس إلى الصواب، فلو كان نقله للحادثة سبباً في الوقوع في شبهة الجواز ـ على فرض الحرمة ـ لوجب أن ينبّه على عدم الجواز.

مضافاً إلى أن هذه الأعمال صدرت بحضور الإمام زين العابدين، ولم يَنْهَ عنها، ولو نهى لنقل النهي مع رواية الواقعة أيضاً.

هذا بالإضافة إلى تأييد الإمام الصادق× وشهادته على تقرير السجاد×.

وثانياً: بما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان من أبرز أهداف الحسين× في ثورته فكيف يمكن أن يعقل أن أهل بيته ارتكبوا المحرم إذا كان الخدش واللطم محرماً مطلقاً، كما نص عليه الكاتب، عقب وفاته مباشرةً، وفي حضور الإمام المعصوم، أي السجاد×؟!

وفي صدد إلغاء تأييد الإمام السجاد× لعمل الفاطميات يقول الكاتب: قد يقول البعض: إن السجاد× كان متواجداً إلى جانب النساء، فلو كان عملهن خاطئاً لنهاهنّ عنه! فماذا يمكن أن نتوقع منه× وهو في تلك الأجواء المضطربة، وهو عليل جليس الفراش؟!

إن هذا الرأي يتضمن قصوراً آخر على صعيد معرفة المعصوم، وهو بحاجة إلى بحثٍ مستقلّ.

ثم إنّ الكاتب برَّر صدور ذلك الفعل من الفاطميات بوطيس الأجواء المحتدمة. فإن سلَّمنا جدلاً بهذه الفكرة لزم أيضاً تبرير عمل كل من يجزع خلال مراسم العزاء الحسيني، فكيف يمكن أن نرفض وقوع الاضطرار منهم، وهم ذائبون في حقيقة الحسين، ويرون أن كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء؟!

الثالثة: جزع الرسول‘ وفاطمة وعلي وسائر الأنبياء والملائكة، وكذلك الحور العين، والسماء والأرض، على مصاب الحسين×: …فانزعج([35]) الرسول، وبكى قلبه المهول([36])، وعزّاه بك الملائكة والأنبياء، وفجعت([37]) بك أمك الزهراء، واختلف جنود الملائكة المقربين تعزي أباك أمير المؤمنين، وأقيمت لك المآتم في أعلى عليين، ولطمت عليك الحور العين، وبكت السماء وسكانها، والجنان وخزّانها، والهضاب وأقطارها، والبحار وحيتانها، والجنان وولدانها، والبيت والمقام، والمشعر الحرام، والحلّ والإحرام…([38]).

ويلاحظ في هذا النص وجود عبارات دالة على المراد، من قبيل: «فانزعج الرسول، وبكى قلبه المهول»، و«فجعت بك أمك الزهراء»، ولا سيما عبارة: «ولطمت عليك الحور العين».

 

فتاوى مراجع التقليد في اللطم

تعد فتاوى الشيخ النائيني في موضوع العزاء الحسيني من أشهر الآراء الفقهية في هذا الجانب. وقد وقّع العديد من العلماء على صحة ما ورد فيها من مواقف، واعتبروها من المسلَّمات. ونحن نقدِّم إليك جانباً من تلك الفتوى التاريخية: …المطلب الأول: لا شبهة ولا إشكال في خروج المواكب إلى الشوارع في عشرة محرم وما شابه من وفيات، فهي من أفضل مظاهر العزاء الحسيني، وخير وسيلة في التبليغ للرسالة الحسينية. لكن ينبغي أن يصان مثل هذا الشعار العظيم والعبادي من الشوائب غير اللائقة به، كالغناء، واستعمال آلات اللهو والموسيقى، وأمثال ذلك، وكالتدافع، ومضايقة البعض للبعض الآخر، وغير ذلك من الأمور المستهجنة وبعض المحرَّمات. وهذه الحرمة مقتصرة على هذه الموارد المذكورة، ولا تسري إلى أصل العزاء نفسه، فهذا من قبيل نظر المصلي الى الأجنبية عمداً، فهو ارتكب الحرام لكن لم تبطل صلاته.

المطلب الثاني: لا إشكال في اللطم على الرأس والصدر والوجه إذا بلغ حد الاحمرار أو الاسوداد، بل حتى الضرب بالسلاسل جائز، وإن بلغ هذا الحد أيضاً، بل حتى مع خروج الدم القليل في الحالات المذكورة…([39]).

وقال السيد عبد الهادي الشيرازي: ما ورد في بيان النائيني صحيح إن شاء الله تعالى([40]).

وقال السيد جمال الدين الموسوي الگلبايگاني: ما ورد في ورقة شيخنا الأستاذ النائيني صحيح، ومطابق لرأينا([41]).

وقال السيد محسن الطباطبائي الحكيم:  إن ما ذكره الأستاذ الكبير غاية في الرصانة والوضوح، بل هي أوضح من أن تحتاج إلى فتوى مؤيِّدة، ويبدو أن الإشكال ينشأ من إقحام بعض الأعمال المنافية لمكانة سيد الشهداء ومظاهر الحزن عليه. أرجو من المؤمنين، بل واجب عليهم، أن يبعدوا مراسم العزاء الحسيني عن الأمور التي من الممكن أن تتحول إلى ذرائع بيد أعداء الحسين×، وأن يهتموا أكثر بالبكاء والحزن وكل ما يخدم الشعائر المقدسة([42]).

وقال السيد محمود الحسيني الشاهرودي: إن ما تفضل به الأستاذ العلامة في الرد على الأسئلة المطروحة في الرسالة حقٌّ وصواب عندنا. أرجو من الباري أن يوفقنا وسائر المسلمين إلى إحياء شعائر المذهب، ونرجو من الله أن يوفق الشباب الواعد إلى تجنب المحرمات التي تضرّ بهذه الشعائر، وتنزيهها منها([43]).

وقال السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: ما ورد من أستاذنا في جواب أسئلة أهالي البصرة صحيح، ومبرئٌ للذمة. أسأل الله أن يوفق الجميع إلى تعظيم الشعائر الدينية، واجتناب المحرمات([44]).

 

المجموعة الثالثة: استحباب النياحة على الحسين وسائر المعصومين^

ثمة روايات عديدة وردت في رثاء الميت يمكن تناولها على غرار ما مر بنا في روايات الجزع، أي على ثلاثة أقسام:

 

1ـ النياحة المحرمة

وهي النياحة على طريقة الجاهلية، والممزوجة بالكذب والتزوير. وذلك من قبيل: ما روي عن الرسول‘: «النياحة من عمل الجاهلية»([45])، و«نهى عن النياحة والاستماع إليها»([46]).

 

2ـ النياحة الجائزة

هناك الكثير من الروايات الدالة على جواز رثاء الميت بشكل عام، شريطة أن يقتصر الكلام فيها على الصدق، دون الكذب والافتراء. وعليه لا شك ـ وبطريق أولى ـ في جواز ذلك في رثاء المعصومين، وخصوصاً الحسين×، بل إنه عمل مستحب أيضاً. ومن تلك الروايات:

1ـ عن خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ في حديث طويل ـ أنها قالت: سمعت عمي محمد بن علي× وهو يقول: إنما تحتاج المرأة في المآتم إلى النوح؛ لتسيل دمعتها، ولا ينبغي لها أن تقول هُجراً، فإذا جاءها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح([47]).

2ـ عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله×: لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت([48]).

3ـ محمد بن علي بن الحسين قال: قال×: لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً([49]).

3ـ النياحة المستحبة

هناك أيضاً روايات عديدة في استحباب رثاء أهل البيت، ولا سيما سيد الشهداء×، وهكذا رثاء المؤمنين والشهداء. ومنها:

1ـ قال: وسئل الصادق× عن أجر النائحة؟ فقال: لا بأس به، قد نيح على رسول الله‘([50]).

2ـ روى الشيخ زين الدين في «مسكّن الفؤاد» أن فاطمة÷ ناحت على أبيها، وأنه أمر بالنوح على حمزة([51]).

3ـ رواية يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله× قال: قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى([52]).

4ـ رواية الحسين بن يزيد قال: ماتت ابنة لأبي عبد الله×، فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر، فناح عليه سنة، ثم مات اسماعيل، فجزع عليه جزعاً شديداً، فقطع النوح. قال: فقيل لأبي عبد الله×: أيناح في دارك؟ فقال: إن رسول الله‘ قال لما مات حمزة: لكنّ حمزة لا بواكي له([53]).

وقد عقد الحر العاملي باباً في كتاب «وسائل الشيعة» بعنوان «باب استحباب إنشاد الشعر في رثاء الحسين وأهل البيت^ وبكاء المنشد والسامع»([54]).

وذكر لذلك روايات عديدة، نكتفي بأولاها:

5ـ….عن زيد الشحام ـ في حديث ـ أن أبا عبد الله× قال لجعفر بن عفان الطائي: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين×، وتجيد، قال: نعم، فأنشده، فبكى ومَنْ حوله حتى سالت الدموع على وجهه ولحيته، ثم قال: يا جعفر، والله لقد شهدك ملائكة الله المقرَّبون ها هنا، يسمعون قولك في الحسين×، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله لك يا جعفر في ساعتك الجنة بأسرها، وغفر لك، فقال: ألا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ما من أحد قال في الحسين× شعراً، فبكى وأبكى به، إلا أوجب الله له الجنة، وغفر له.

وفقاً لهذه الروايات وغيرها من الأدلة جاء حكم الفقهاء باستحباب رثاء الميت. فقد علَّل السيد الخوئي هذا الحكم بقوله: «جواز النوح على الميت: للأصل، والسيرة؛ ولأن النياحة لو كانت محرمة لوصلت إلينا حرمتها بالتواتر، بل ورد أن فاطمة÷ ناحت على أبيها‘، وأوصى الباقر الصادق× بأن يقيم عليه النياحة في منى عشر سنوات».

كما أشار& إلى كراهة النياحة في الليل، واشتراط الأجر عليها، وحمل الروايات والإجماع في تحريم النياحة على شكلها الجاهلي، والمتضمن لقول الكذب، ووصف الميت بما ليس فيه، كالشجاعة والكرم، وهو جبان وبخيل([55]). ويشبه هذا الرأي ما ورد في الجواهر([56])، والعروة الوثقى([57])، وغيرهما من كتب الفقه.

وقد أدرج الشيخ الحر العاملي في «وسائله» جملة من الروايات تحت عناوين «باب جواز النوح والبكاء على الميت، والقول الحسن عند ذلك، والدعاء»([58])، و«باب جواز كسب النائحة بالحق، لا بالباطل، واستحباب تركها للمشارطة، وأنها تستحله بضرب إحدى يديها على الأخرى، ويكره النوح ليلاً»([59]). وهذا يكشف عن رأي الحر العاملي في الروايات، وتصنيفها كما ذكرنا.

والمتحصِّل من ذلك أن العزاء الحسيني من الشعائر المستحبة، وهو عبادة كبرى تستحق الأجر والثواب العظيم. وكما تنص روايات أهل العصمة فإن ثواب المبكي لا يقل عن ثواب الباكي.

 

المجموعة الرابعة: ترك الرداء والعمامة والحذاء في مراسم العزاء

هناك أيضاً روايات عديدة في استحباب ترك الرداء لصاحب العزاء، وكراهة ذلك لغيره. وكذلك توجد روايات تدل على جواز، بل استحباب، بعض الأعمال، من قبيل: نزع العمامة، والحذاء، أو قلب الرداء، تعبيراً عن المصاب. لكننا وبداعي الإيجاز نكتفي بذكر أربعة أحاديث من أصل ثمانية، كما ورد في «وسائل الشيعة» في «باب استحباب وضع صاحب المصيبة حذاءه ورداءه، وأن يكون في قميص، وكراهة وضع الرداء في مصيبة الغير»:

1ـ محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أبي بصير، عن الصادق× قال: ينبغي لصاحب الجنازة أن لا يلبس رداء، وأن يكون في قميص، حتى يعرف([60]).

2ـ وبإسناده عن علي بن إبراهيم…، عن الحسين بن عثمان قال: لما مات إسماعيل بن أبي عبد الله× خرج أبو عبد الله×، فتقدم السرير بلا حذاء ولا رداء([61]).

3ـ قال: وضع رسول الله‘ رداءه في جنازة سعد بن معاذ&، فسُئل عن ذلك، فقال: إني رأيت الملائكة قد وضعت أرديتها، فوضعت ردائي([62]).

4ـ عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ، أن رسول الله‘ أمر بغسل سعد بن معاذ حين مات، ثم تبعه بلا حذاء ولا رداء، فسئل عن ذلك؟ فقال: إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسَّيت بها([63]).

أما ما ورد من روايات في ذم هذه الأفعال لغير صاحب المصيبة فقد حملت على الكراهة، لا الحرمة. وهذا ما عليه الفقهاء. جاء في العروة، في آداب تشييع الجنازة: وأما آدابه فهي أمور: …أن يكون صاحب المصيبة حافياً، واضعاً رداءه، أو يغير زيه على وجه آخر، بحيث يعلم أنه صاحب المصيبة. ويكره أمور: …الثاني: وضع الرداء من غير صاحب المصيبة([64]).

كما أن حواشي العروة لم تخالف هذا الحكم أيضاً، بل تحدث بعضها عن تأييده.

ويلاحظ هنا جملة أمور:

أولاً: إن الغاية من وضع الرداء أو الحذاء، وقلب الرداء، لا تقتصر على مسألة تشخيص ومعرفة صاحب المصيبة من بين الحضور، وإنما هو غرض من أغراض تلك الأعمال، كما هو الحال في رواية حضور الرسول‘ في جنازة سعد بن معاذ، إذ إنّ جميع المسلمين يعرفونه حق المعرفة. وعليه فهذا من الأعمال المستحبة.

ثانياً: على فرض كون الغاية هي التشخيص فهو بمعنى معرفته صاحباً للمصاب، وليس معرفة شخصه، أي لابد من ظهور التأثر عليه كي يعلم الآخرون أن المصاب ألمّ به.

ثالثاً: إن الاستحباب في وضع الرداء والحذاء في تشييع علماء الدين يشمل جميع الناس؛ لأنهم شركاء في المصاب. ولهذا نفى بعض الفقهاء كراهة ذلك، بل قال البعض باستحبابه أيضاً؛ تأسياً بالنبي‘، فاعتبروا جميع المسلمين أرباباً للعزاء في تشييع كبار الدين. يقول السيد السبزواري: …كما أن الظاهر عدم الكراهة لجنازة العلماء العاملين والأخيار المتقين؛ تأسّياً بخاتم النبيين‘، حيث مشى في جنازة سعد بن معاذ بلا حذاء ولا رداء، فسئل عن ذلك، فقال‘: «إني رأيت الملائكة يمشون بلا حذاء ولا رداء»، مع أن في موت أعاظم الدين يكون صاحب المصيبة جميع المؤمنين»([65]). ولبعض الفقهاء عبارات مشابهة، كالذي جاء في «مصباح الفقاهة»: فلا يبعد رجحانه في جنازة الأعاظم من الأولياء والعلماء؛ لأجل التأسي، أو لأجل كون كل أحد في الحقيقة صاحب المصيبة عند موتهم، والله العالم([66]).

ويمكن دعوى رجحانه في جنازة الأولياء والعلماء؛ لأجل التأسي، بل يمكن أن يقال: إن مصيبة موت العلماء تعم المسلمين جميعاً، فإن موت العلماء يثلم به الدين ثلمة لا يسدها شيء([67]).

وعلى الرغم من أن الروايات المذكورة تدل على استحباب وضع الرداء والحذاء في تشييع الجنازة، لكن يمكن أن يستفاد منها أيضاً استحباب هذه الأعمال في عزاء سيد الشهداء، ولا سيما أنه لم يرد دليلٌ في النهي عنها، وتؤيدها سيرة المتشرعة وبعض العلماء أيضاً. كما يمكن عدّ هذه الأفعال من مصاديق الجزع المستحب في الشعائر الحسينية.

 

نقد الاستدلالات الروائية على حرمة اللطم ونحوه

استدل الكاتب في إثبات مدعاه القاضي بتحريم اللطم على الوجه وشق الثوب بست روايات، تشير أربع منها إلى النهي عن الجزع على الميت، وضرورة الصبر، ولا تحمل أية دلالة على مدعاه؛ لأن هذه الروايات تدل على النهي عن مثل هذه الأعمال في مطلق عزاء الميت، ولا علاقة لها أساساً بقضية العزاء على الحسين×. وحسب الروايات المعتبرة، ورأي جملة من كبار الفقهاء، فإن ممارسة بعض الأعمال، كاللطم ونحوه، في عزاء المعصومين، وخصوصاً سيد الشهداء×، مستثناة. وعليه فإن إطلاق هذه الروايات مقيد بروايات المجموعة الأولى، حيث ورد في هذه الروايات الصحيحة التنصيص على أن كل الجزع والبكاء مكروهٌ، إلا الجزع والبكاء على الحسين×؛ لأن المرء يثاب عليهما.

ويبقى أمامنا روايتان في النهي عن الأعمال المذكورة في حقّ المعصوم. وقد استند واستشهد الكاتب بهما كثيراً، وإليك نقد ذلك:

 

نقد الرواية الأولى  (الرابعة عند الكاتب)

روي عن الباقر×، في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾، المتعلقة ببيعة النساء للنبي‘، أنه قال:  إن رسول الله‘ قال لفاطمة: إذا أنا متّ فلا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تنشري عليّ شعراً، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي عليّ نائحة. قال: ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عز وجل([68]).

ويلاحظ على هذه الرواية:

أولاً: فضلاً عن ضعف السند فإن الرواية تتضمن نهياً عن النياحة، والحال أنه لا إشكال فيها إذا خلت من باطل الكلام. وقد مر بنا تجويز بعض الروايات لذلك، بل تأكيدها على هذا الأمر. ولهذا فإن العلماء لم يعملوا بهذا الإطلاق الوارد في رواية الإمام×، وحمله بعضهم على التقية، كصاحب الحدائق. ووفقاً للمحقِّق في «المعتبر» فإن القول بتحريم النياحة منسوب إلى الكثير من أهل السنة، الأمر الذي يزيد من احتمال التقية([69]).

ثانياً: للجزع على النبي‘ صورتان: إحداهما: الاعتراض على القضاء الإلهي. وهو محرم من أي كان؛ والأخرى: الجزع الإلهي بطابعه الديني، بمعنى الجزع لأفول شمس النبوة ونور التوحيد الرباني عن الكون. ومعلوم أن هذا النوع لا يتعارض مع الرضا بقضاء الله، وهو عبادة. ولهذا جاء في نهج البلاغة أن الإمام علي× قال على قبر النبي: «وإن الجزع لقبيح إلا عليك».

ولا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الإمام× ورواية النبي‘. إذاً ونظراً لعصمة الصديقة الزهراء÷ نقول: إن نهي الرسول‘ عن النياحة هو أمر بالصبر، وهو مما يستحق ثواباً عظيماً عند الله. على أن حزن الزهراء على فقد أبيها‘ أيضاً مما يستحق الثواب. ويضاف إلى ذلك أنه قد يكون نهي الرسول‘ قد صدر نظراً لموقعية الزهراء بين المسلمين، فهو الذي دعاهم إلى نبذ تقاليد الجاهلية، كالنياحة، واللطم على الوجه، وغيرها، مما يتضمَّن الاعتراض على القضاء الإلهي، ومن الممكن أن يتحول جزع الزهراء على أبيها مبرِّراً للآخرين في ممارسة هذه الأعمال في مآتم أحبائهم، أو قد يتسبب جهل الناس بالطابع الإلهي لجزعها÷ بسوء الفهم، وتصورهم أنها جزعت سخطاً على قضاء الله.

 

نقد الرواية الثانية (السادسة عند الكاتب)

ويستند الكاتب إلى رواية نقلها الطبري في «تاريخه» عن الإمام زين العابدين× روى فيها موقف الإمام الحسين× من جزع أخته زينب÷ حين سمعت كلامه عن قرب موعد استشهاده، حيث قال لها الحسين×: يا أختاه، إني أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت…

وقد شكّلت هذه الرواية صلب القضية في استدلال الكاتب على حرمة الجزع على الحسين×، حتى يمكن أن يقال: إن محور بحثه كان هذه الرواية نفسها؛ إذ جاء في كلامه: تمتاز هذه الرواية عن سواها من جميع النواحي؛ لأنها وردت في موضوع عزاء أهم الشخصيات. ويبدو أنها مع الرواية الرابعة بمثابة الرد الشافي على ما نحن في صدده([70]).

ويمكن التعليق على هذا الاستدلال بما يلي:

أولاً: إن هذه الرواية ليست معتبرة ـ حسب التحقيق ـ. والطبري هو أول من رواها في «تاريخه»، وتبعه كتاب «الإرشاد» المنسوب للشيخ المفيد، وكتاب المناقب.

وليس خفياً على أهل العلم ضعف «تاريخ الطبري» ـ مصدر الرواية الأول ـ، وما أورده من أكاذيب، ولا سيما في ما يتعلق بتاريخ الخلفاء. وإليك سند الرواية حسب الطبري: قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن علي بن الحسين×.

ولو كان أبو مخنف لوطاً بن يحيى لعدّه الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الحسين والسجاد والصادق^، ولمدحه النجاشي في رجاله. إن جميع رواة هذا السند ـ باستثناء أبي مخنف ـ هم من السنة، ولم يرد لهم ذكر في كتب الشيعة الرجالية.

وعليه فالرواية سنية، ولا قيمة لها في الاستدلال. وقد يروي علماء الشيعة الروايات السنية كشواهد تاريخية إذا لم تتسبَّب في وهن المذهب، لكن لم يلاحظ استشهادهم بها في المسائل الفقهية.

والشاهد على هذا عدم تطرق كبار الفقهاء، كصاحب الجواهر، والسيد الخوئي، في الاستدلال على استثناء الجزع على الحسين× من حرمة ذلك على الميت إلى هذا النوع من الروايات، في حين يستبعد غيابها عن أنظار هؤلاء الأعلام.

ثانياً: على فرض صحة الرواية فإن غاية الإمام× من النهي قد تكون الرأفة بحالها÷، وهو لا يرقى إلى مرحلة التحريم.

ثالثاً: قد يكون نهيه× نهياً عن الجزع المصاحب للاعتراض على القضاء الإلهي.

 

نقد الاستدلال بروايات الجواز

في معرض حديثه عن الروايات الدالة على الجواز تطرق الكاتب إلى رواية عن الصادق×، وهي مذكورة في تهذيب الشيخ الطوسي، دون ذكر السند والمصدر: …وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود، الفاطميات على الحسين بن علي×. وعلى مثله تطلم الخدود، وتشق الجيوب([71]). وقد وجّه إلى الرواية طعوناً، هي:

1ـ إن هذا الموضوع لم يرِدْ إلا في رواية واحدة، ولا يصمد في وجه عدة من الروايات التي ذكرناها في الدلالة على التحريم.

والجواب: أولاً: إن تفرد رواية بمسألة ما ليس دليلاً على ضعفها.

ثانياً: هناك روايات أخرى وردت في مدح الجزع واللطم في مصاب سيد الشهداء×، وقد أشرنا إليها خلال البحث.

ثالثاً: ادعى الكاتب في بداية مقالة انعدام النصوص الروائية في إثبات غير البكاء على الحسين×، والحال أن هذه الرواية وغيرها تنقض مدَّعاه.

2ـ لقد أذعن الكاتب بدلالة هذه الرواية على جواز ضرب الرأس والوجه، لكنه ـ وبطريقة غريبة ـ التجأ إلى التبرير، فقال: عنى الإمام× من ذلك ما حكم يوم عاشوراء من أجواء قاهرة، تشق النساء فيها جيوبها، وتلطم خدودها؛ ودليل هذا أنه لم تعُدْ النساء إلى تلك الأفعال في ذكرى عاشوراء اللاحقة، فلم تشقّ الجيوب، ولم تلطم الخدود.

في حين أن نص الرواية دال على خلاف ذلك، حيث جاء فيها: «على مثله تطلم الخدود، وتشق الجيوب». ومن هذا استنبط الفقهاء جواز واستحباب اللطم وشق الجيب على الحسين×، ولم يفسِّر أحدٌ منهم نص الرواية بخصوصية نساء كربلاء. وعليه فإن هذه الرواية كاشفة عن التشجيع على مثل هذه الأعمال، ولا تخصيص لأجواء عاشوراء الملتهبة.

وأضاف الكاتب: …زِدْ على ذلك أن أهل البيت^ لا يأمرون بمعروف حتى يبادروا هم إلى العمل به، فإذا كان اللطم حقاً من المستحبات فلِمَ لم يفعلوا ذلك ولو لمرة واحدة؟

والجواب: أولاً: لقد عاش الأئمة^ وشيعتهم في ظروف صعبة من التقية من الحكام الظلمة، ولم يتسنَّ لهم إحياء مراسم العزاء بشكل علني، بل لم يكن بالإمكان رفع الصوت داخل بيوتهم، لذا لم يكن بالمقدور القيام بمظاهر العزاء، من قبيل: تسيير المواكب، وإقامة المجالس، واللطم على الصدور، كما هو حال الشيعة اليوم، فهي أعمال مستحبة، ومن أفضل المستحبات، لكنها كانت مؤجَّلة؛ نظراً للضغط والتعسُّف الذي كانت السلطة تمارسه بحق أهل البيت^. وهنا أدعو القارئ إلى التأمل في رواية من روضة الكافي: …عن سفيان بن مصعب العبدي، قال: دخلت على أبي عبد الله× فقال: قولوا لأم فروة تجيء فتسمع ما صنع بجدّها، قال: فجاءت، فقعدت خلف الستر، ثم قال: أنشدنا، قال: فقلت: «فرو جودي بدمعك المسكوب»، قال: فصاحت، وصحن النساء، فقال أبو عبد الله×: الباب الباب، فاجتمع أهل المدينة على الباب، قال: فبعث إليهم أبو عبد الله: صبيٌّ لنا غشي عليه، فصحن النساء([72]).

يكشف لنا التمعن في هذه الرواية واقع حال الأئمة^ الصعب، ومعاناتهم في إقامة العزاء الحسيني، حيث بلغ بهم الأمر إلى الامتناع عن إخبار أهل المدينة بسبب بكائهم الحقيقي، مما اضطرهم إلى التورية، وتعليل ذلك بمسألة أخرى، وهي أن صبيّهم غشي عليه. بناء عليه، وبملاحظة هكذا نوع من الظروف القاصرة، والداعية إلى تجنب البكاء أمام الملأ العام، ليس عجيباً أن لا نرى مظاهر الجزع تصدر منهم^، أو أن لا تصلنا أخبار ذلك بصورة واضحة.

ثانياً: ليس كل ما دعا أهل البيت^ إلى القيام به، وعدّوه من المستحبات، روي فيه مبادرتهم إليه. فعلى سبيل المثال: هناك روايات عديدة في استحباب زواج المتعة، لكن لم يرد خبر واحد يدل على قيامهم بذلك الأمر.

 

الهوامش

(*) تمّ نشر هذه المقالة المنْتَقَدة في العدد السابق من المجلّة (الاجتهاد والتجديد).

(**) باحث في الفقه الإسلامي، ومسؤول قسم «المعجم الفقهي» في دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت^.

(***) باحث في الفقه وعلوم الشريعة، وكاتب في المؤسسات الفقهية المتعدّدة.

([1]) الكافي 8: 67؛ نهج البلاغة: 58 (جاء في نهج البلاغة: «عليها باقي الكتاب»، بدلاً من «عليها يأتي الكتاب»).

([2]) مجلة فقه أهل البيت، العدد 48: 198.

([3]) المصدر نفسه: 205.

([4]) المصدر نفسه: 212.

([5]) المصدر نفسه: 216.

([6]) المصدر نفسه: 201.

([7]) المصدر نفسه: 213.

([8]) معجم مقاييس اللغة.

([9]) التحقيق في كلمات القرآن الكريم 28: 80؛ المفردات في غريب القرآن: 194.

([10]) قاموس قرآن 2: 34.

([11]) بحار الأنوار 98: 320 (زيارة الناحية المقدسة).

([12]) وسائل الشيعة 3: 280، ح3655؛ بحار الأنوار 12: 264، ح27؛ الصدوق، الأمالي: 140، ح5؛ مكارم الأخلاق: 315؛ كشف الغمة 1: 498.

([13]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 346.

([14]) تحرير الوسيلة 1: 93.

([15]) الطوسي، الأمالي: 161، ح268؛ وسائل الشيعة 3: 282، ح3657، و14: 505، ح19699؛ بحار الأنوار 44: 280، ح9، و 45: 313، ح14.

([16]) جواهر الكلام 40: 371.

([17]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 342.

([18]) مهذب الأحكام 4: 243.

([19]) كامل الزيارات: 100، ح2؛ بحار الأنوار 44: 291، ح32؛ جامع أحاديث الشيعة 12: 557.

([20]) نهج البلاغة: 527، الحكمة 292؛ غرر الحكم: 109، ح1946.

([21]) كامل الزيارات: 101؛ وسائل الشيعة 14: 507، ح19705؛ بحار الأنوار 99: 106.

([22]) المشهدي، المزار: 578؛ إقبال الأعمال 1: 508؛ بحار الأنوار 99: 107.

([23]) فرحة الغري: 92؛ بحار الأنوار 97: 235.

([24]) الكافي 4: 582 ـ 583؛ وسائل الشيعة 14: 411 ـ 412.

([25]) صراط النجاة (للخوئي، مع حواشي التبريزي) 3: 443.

([26]) التبريزي، الأنوار الإلهية: 152.

([27]) محمد علي نخجواني، الدعاة الحسينية (مع فتاوى المراجع العظام حول الشعائر الحسينية) : 203.

([28]) كتاب العين 7: 433؛ لسان العرب 12: 543.

([29]) الكافي 3: 222، ح1؛ وسائل الشيعة 3: 271، ح3625؛ بحار الأنوار 79: 90.

([30]) أجوبة الاستفتاءات 1: 39، س 241.

([31]) تهذيب الأحكام 8: 325، ح23؛ وسائل الشيعة 22: 402، ح28894؛ بحار الأنوار 13: 364، ح5؛ عوالي اللآلي 3: 409، ح15.

([32]) على الرغم من شهرة الزيارة المعروفة بالناحية المقدسة إلا أن في نسبتها إلى الإمام صاحب العصر تأملاً، بل ترديداً، ويقول السيد ابن طاووس، الذي أثبتها في مصباح الزائر: «زار بها المرتضى». كما علق على روايتها المجلسي نقلاً عن المصباح الزائر بقوله: «الظاهر أنه من تأليف السيد مرتضى» (بحار الأنوار 101: 231) .

وقد وردت في المزار الكبير لابن المشهدي، مع اختلاف في المفردات، وجاء في مقدمتها، دون ذكر الإسناد: «مما خرج من الناحية إلى أحد الأبواب». وبناء عليه لا يمكن في مقام الاستدلال الفقهي الاستناد إلى نصوص الزيارة في نفي أو إثبات الحكم الشرعي.

([33]) وسائل الشيعة 17: 128، ح22164.

([34]) المصدر السابق.

([35]) زعج: الإزعاج: نقيض القرار (كتاب العين 1: 217)؛ المزعاج: المرأة التي لا تستقر في مكان (لسان العرب 22: 288).

([36]) يعني بالمهول: الذي فيه هول… والعرب إذا كان الشيء هو له أخرجوه على فاعل، مثل دارع لذي الدرع، وإذا كان فيه أو عليه أخرجوه على مفعول (كتاب العين 4: 86).

([37]) الفجيعة: الرزية الموجعة بما يكرم… والفواجع: المصائب المؤلمة التي تفجع الإنسان بما يعزّ عليه من مال أو حميم (لسان العرب 8: 245).

([38]) بحار الأنوار 98: 320.

([39]) الدعاة الحسينية: 105 ـ 108.

([40]) المصدر السابق: 109.

([41]) المصدر السابق: 110.

([42]) المصدر السابق: 111.

([43]) المصدر السابق: 112.

([44]) المصدر السابق: 113. وفي «الدعاة الحسينية» فتاوى لمراجع آخرين أيدوا جميعهم فتوى النائيني.

([45]) من لا يحضره الفقيه 4: 376، ح5769.

([46]) وسائل الشيعة 3: 272، ح22166.

([47]) وسائل الشيعة 3: 242، ح35196؛ 17: 127، ح22161؛ الكافي 1: 358؛ بحار الأنوار 47: 279.

([48]) تهذيب الأحكام 6: 359، ح149؛ من لا يحضره الفقيه 3: 161، ح3589؛ الاستبصار 3: 60، ح2؛ وسائل الشيعة 17: 127، ح22162.

([49]) وسائل الشيعة 17: 128، ح22164.

([50]) وسائل الشيعة 17: 128، ح22165.

([51]) وسائل الشيعة 3: 241، ح3518، باب 70 من أبواب الدفن، ح4.

([52]) الكافي 5: 117، ح1؛ تهذيب الأحكام 6: 358، ح146؛ وسائل الشيعة 17: 125، ح22156.

([53]) موسوعة الإمام الخوئي 9: 344.

([54]) وسائل الشيعة 3: 241، ح3516.

([55]) وسائل الشيعة 14: 594.

([56]) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 4: 365: «ولعله من جواز البكار يستفاد جواز النوح عليه أيضاً؛ لملازمته له غالباً. مضافاً إلى الأخبار البالغة حد الاستفاضة، المعمول بها في المشهور بين أصحابنا، بل في المنتهى الإجماع على جوازه إذا كان بحق، كالإجماع على حرمته إذا كان بباطل».

([57]) اليزدي، العروة الوثقى: 448 «يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يتضمن».

([58]) وسائل الشيعة 3: 241.

([59]) وسائل الشيعة 17: 125، باب 17.

([60]) وسائل الشيعة 2: 441، ح2590: ورواه الكليني، عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه البرقي في المحاسن، عن أبيه، عن سعدان، ورواه الصدوق في العلل، عن محمد بن الحسن، عن الصفار عن الحبلي بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله×، أو عن أبي بصير، عن أبي عبد الله×، مثله.

([61]) وسائل الشيعة 2: 443، ح2596.

([62]) وسائل الشيعة 2: 442، ح2593: ورواه البرقي في المحاسن، عن أبيه، عن محسن بن أحمد، عن أبان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله×، ونحوه.

([63]) وسائل الشيعة 2: 44، ج2594.

([64]) العروة الوثقى 1: 419.

([65]) مهذب الأحكام 4: 96.

([66]) مصباح الفقيه 5: 367.

([67]) مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 6: 282.

([68]) الكافي 5: 527.

([69]) الحدائق الناضرة 4: 165 ـ 169.

([70]) مجلة فقه أهل البيت، العدد 48: 205.

([71]) تهذيب الأحكام 8: 325، ح23؛ وسائل الشيعة 22: 402، ح28894؛ بحار الأنوار 13: 364، ح5؛ عوالي اللآلي 3: 409، ح15.

([72]) الكافي 8: 215 ـ 216، ح263.

الكاتب الشيخ محسن محقق ـ الشيخ حسين سيف اللهي

الشيخ محسن محقق ـ الشيخ حسين سيف اللهي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com