أحدث المقالات

أ. نجمة كردزنگنه(*)

د. بهرام علي زاده(**)

ترجمة: وسيم حيدر

1ـ المقدّمة

إن العلم الإلهي المطلق من أهمّ العناصر المقبولة من قِبَل الأديان الإبراهيمية. كما أن مفهوم الاختيار بدَوْره ـ بوصفه مبنىً لنظام الثواب والعقاب، وكذلك الإجابة عن مسألة الشرّ ـ من أهمّ المفاهيم التي تقع مورداً لقبول الأديان أيضاً. بَيْدَ أن البعض يذهب إلى الاعتقاد بأن هذين العنصرين الجوهريين في الأديان يتعارضان فيما بينهما. إن هذا التعارض سواء أدّى إلى نفي العلم الإلهي المطلق([1])، أو أدّى إلى نفي إرادة الإنسان، من شأنه أن يخلق تحدِّياً لأسس الأديان التوحيدية. وقد عمد فلاسفة الدين وعلماء اللاهوت إلى تقديم إجاباتٍ مختلفة لحلّ هذه المشكلة. وبالإضافة إلى الإجابات التقليدية عن هذه المسألة، يذهب أتباع اللاهوت المنفتح في العصر الراهن إلى الاعتقاد بأنهم قد توصّلوا إلى إجاباتٍ جديدة. يُعَدّ جون ساندرز واحداً من اللاهوتيين التقليديين القائلين باللاهوت المنفتح، وقد أثار موقفه الكثير من الآراء المؤيِّدة والمعارضة. إن ساندرز يُقرّ بأن الله عالمٌ مطلق، ولكنْ حيث إن المستقبل مفتوحٌ فإن الله قبل وقوع الفعل من قِبَل الفاعل لا يعلم ما الذي سيفعله. وهذا لا يعني إنكار العلم الإلهيّ المطلق، وإنما ينفي مجرّد العلم الإلهيّ السابق([2]). وفي ما يلي سوف نعمل أوّلاً على تبويب مسألة العلم الإلهي، لننتقل بعد ذلك إلى بيان إجابة ساندرز عن هذه المسألة، ونعمل في نهاية المطاف على بحثها ومناقشتها.

2ـ العلم الإلهيّ المطلق ومعضلة الحَتْميّة

لقد عمد أنتوني كيني([3]) إلى تعريف العلم الإلهي المطلق أو الشامل ـ في كتابه الشهير (إله الفلاسفة) ـ على النحو التالي: «كلّ قضية مثل P إذا كانت P صادقةً فإن الله يعلمها»([4]). إذن يمكن القول:

(أ) S عالمٌ بكل شيء = [بناء على التعريف]: كلّ قضية مثل P إذا كانت P صادقةً فإن S يعلم أنها P.

إن صفة العلم بالجميع تشمل العلم السابق أيضاً؛ لأن الله إذا لم يكن يعلم بما سيحدث في مستقبل العالم من الأحداث لن يكون علمه كاملاً. وكذلك فإن إطلاق العلم الإلهي يعني عدم خطئه([5]) أيضاً. لا يمكن لـ S أن يكون عالماً بكلّ شيءٍ وفي الوقت نفسه يكون بعض معتقداته (ولو واحدة منها) كاذباً. يذهب بعض الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن العلم بكلّ شيءٍ لا يجتمع مع القول بالإرادة الحرّة للإنسان؛ لأن اختيار الفاعل يعني أن يحظى بالإمكانات البديلة([6]). طبقاً للشهود المتعارف؛ حيث لا يكون أمام الفاعل في بعض الموارد سوى خيارٍ واحد، لا يمكن اعتباره فاعلاً مختاراً. إذن يمكن لنا بيان التعريف أدناه للحرّية:

(ب) «الشخص N في الزمن T حر في القيام بالفعل A = بمقدور N في الزمن T أن يقوم بالعمل A، وفي مقدور N في الزمن T أن يمتنع عن القيام بالفعل A»([7]).

يبدو أن التعريفين (أ) و(ب) لا يجتمعان؛ لأن الضرورة تحول دون الحرّية. نحن عاجزون عن تغيير الضرورات، ونعدّ في مقابلها مُجْبَرين ومُكْرَهين. يمكن أن يكون لضرورة العالم مناشئ مختلفة؛ فتارةً تنشأ الضرورة من الحالة الخاصة لقوانين الطبيعة؛ وتنشأ تارةً من الحالة الخاصة للقضايا ونسبتها إلى الصدق والكذب؛ وتارةً أخرى عن علم الله. والحالة الأولى تعرف بـ «الحَتْمية»([8])، و«الحَتْمية العليّة»، أو «الحَتْمية الفيزيائية». وتعرف الحالة الثانية بعنوان «التقديرية المنطقية»([9]). وتعرف الحالة الثالثة بعنوان «الحَتْمية اللاهوتية»([10]).([11])

إن التعريف (أ) يشير إلى هذا المعنى الأخير من الحتمية، ولذلك فإنه يقع في تعارضٍ مع التعريف (ب). ولكي يتّضح الأمر سوف نعمل على بيان الحَتْمية اللاهوتية في إطار المثلَّث المتعارض التالي:

1ـ إن علم الله لا يقبل الخطأ.

2ـ إن الله في اللحظة T1 يعلم أن الفاعل S سوف يقوم بالعمل A في اللحظة T3.

3ـ إن S مختار بأن يمتنع عن القيام بالفعل A في اللحظة T3 ([12]).

إن هذه القضايا الثلاثة لا يمكن أن تكون صادقةً في وقتٍ واحد وبشكلٍ متزامن. إذا أمكن لـ S في اللحظة T3 أن يحول دون تحقُّق العمل A إذن سوف تكون لـ S القدرة على تكذيب علم الله في اللحظة T1، القائم على أن S سوف يقوم بالفعل A في اللحظة T3. ولكنّ علم الله ـ على أساس المقدّمة الأولى ـ لا يقبل الخطأ، إذن لن يكون بمقدور S أن يكون موجباً لتكذيب علم الله، ونتيجةً لذلك لا يمكن لـ S أن يمتنع عن القيام بالفعل A.

3ـ دليل الاستلزام والتقديريّة اللاهوتية

إن دليل الاستلزام([13]) من أهمّ الأدلّة لصالح عدم الانسجام بين الاختيار والضرورة. وقد عمد بيتر فان إينواغن([14])، في رسالةٍ له حول الإرادة الحرّة، إلى بيان هذا البرهان بشكلٍ تفصيلي. يقول هذا البرهان باختصارٍ: إذا كانت الحَتْمية صادقةً فإن أعمالنا سوف تكون لازماً لقوانين الطبيعة وأحداث الماضي السحيق. ولكنْ لا الذي وقع قبل ولادتنا، ولا كيفية قوانين الطبيعة، واقعةٌ تحت اختيارنا. وعليه فإن لوازمها أيضاً (ومن بينها: أعمالنا الحالية) ليست في حدود اختيارنا([15]). كما أن عدم انسجام العلم السابق واختيار الإنسان يمكن بيانه في قالب دليل الاستلزام أيضاً. وقد بيَّن روبرت كين في مقدّمةٍ عن الإرادة الحرّة في هذا المبنى استدلالاً لصالح عدم انسجام العلم الإلهي واختيار الإنسان؛ إذ قال: لقد كان الله عالماً قبل ولادتنا بالأفعال التي نقوم بها في اللحظة الراهنة. ولا يمكن أن يكون لله أيُّ علمٍ واعتقاد كاذب. إذا كان علم الله لا يمكن أن يكون كاذباً فإن الأفعال التي نقوم بها حالياً يجب أن تقع. لا يمكن لأحدٍ أن يقوم الآن بفعلٍ من شأنه أن يغيِّر علم الله بأفعالنا الراهنة التي علم بها قبل ولادتنا. وبعبارةٍ أخرى: لا يمكن لأيّ شخصٍ أن يرتكب فعلاً يجعل علم الله كاذباً. وعليه فإن الأفعال التي نقوم بها في اللحظة الراهنة يجب أن تقع. ونتيجة لذلك نحن لا نستطيع أن نقوم بشيءٍ لكي نغيِّر الأفعال التي تحدث في هذه اللحظة، وحيث إن الاختيار يستلزم القدرة على القيام بعملٍ على نحوٍ آخر إذن لا يمكن لأيّ إنسانٍ أن يكون مختاراً([16]).

تقوم فرضية هذا الاستدلال على أن الله يتَّصف بالعلم السابق. فلو قبلنا بهذه الفرضية يمكن بيان الاستدلال لصالح التناقض والتضاد على النحو التالي([17]):

الفرضية الأولى: يقوم يحيى بالفعل X في اللحظة الزمنية T2.

الفرضية الثانية: إن لدى يحيى هذه القدرة في اللحظة T2 على القيام بالفعل X.

لو قبلنا بأن الله عالمٌ مطلق يجب أن نقبل بأن الله في اللحظة الزمنية T1 يعلم بأن يحيى في اللحظة الزمنية T2 سوف يقوم بذلك الفعل. ولكنْ حيث قبلنا بأن الفرضية الأولى والثانية صادقتان وجب أن نواجه واحدةً من الحالات الثلاثة التالية:

1ـ إن يحيى قادرٌ في اللحظة الزمنية T2 على أن يقوم بفعلٍ يجعل علم الله في اللحظة الزمنية T2 كاذباً.

2ـ إن يحيى قادرٌ في اللحظة الزمنية T2 على أن يقوم بفعلٍ يثبت أن الله في اللحظة الزمنية T1 لم يكن له علمٌ به.

3ـ إن يحيى قادرٌ في اللحظة الزمنية T2 على أن يقوم بفعلٍ يؤدّي إلى تغيير علم الله في اللحظة الزمنية T1، أي إن الله في اللحظة الزمنية T1 يعلم بأن يحيى لن يقوم بذلك الفعل في اللحظة الزمنية T2.

ولكنْ لا شيء من القضايا الأولى والثانية والثالثة صادقٌ.

أما القضية الأولى فهي غير صادقة؛ لأن الفرضية تقول بأن الله يحظى بالعلم السابق، والعلم السابق لا يشمل إلاّ القضايا الصادقة فقط.

والقضية الثانية كاذبةٌ أيضاً؛ لأنها تستلزم أن يكون الله فاقداً للعلم.

وهكذا القضية الثالثة هي الأخرى كاذبة بدَوْرها أيضاً؛ لذات الدليل القائل بأنك لا تستطيع تغيير الأحداث السابقة، فإن علم الله في اللحظة الزمنية T1 بالقيام بالفعل X في اللحظة الزمنيةT2 ؛ حيث ينتمي إلى الزمن الماضي، لا يكون بمقدورك في اللحظة الزمنية T2 أن تغيِّر علم الله في اللحظة الزمنية T1 ([18]).

إذن فالمشكلة تكمن في التعارض بين فرضيّاتنا.

إن هذا الاستدلال والاستدلالات المشابهة الأخرى متأثِّرة جميعها باستدلال نيلسون بايك، في مقالته المعروفة «العلم الإلهي المطلق والفعل الاختياري». فقد صرَّح نيلسون بايك بأن هذا الاستدلال ينطوي على ثلاث فرضيّات هامّة، وهي:

1ـ الفرضية الخاصّة بالمعرفة: إن العلم بـ X يستلزم صدق X. إن هذا تحليلٌ يصدق بشكلٍ عامّ في خصوص كلّ معرفة.

2ـ الفرضية الخاصّة بعدم خطأ العلم الإلهي: إن الكائن الذي يحظى بالعلم المطلق لا يعتريه أيّ علمٍ كاذب، ولا يمكن أن يعتريه ذلك.

3ـ الفرضية الخاصّة بحدود العلم الإلهي: إن العالم المطلق هو الذي يعلم بكلّ شيءٍ من وقائع وأحداث الماضي والحاضر والمستقبل.

بالنظر إلى هذه الفرضيات الثلاثة، لنفترض أن يحيى قد جزَّ عشب حديقته في السبت الماضي، وقبل ذلك السبت المنصرم بثمانين عاماً كان الله يعلم بأن يحيى سوف يجزّ عشب حديقته، إذن لم يكن يحيى يستطيع أن لا يجزّ عشب حديقته (بمعنى أن هذا لم يكن داخلاً في حدود قدرته)، ثم لنفترض أن يحيى كان قادراً على الامتناع عن جزّ عشب حديقته (أي كان قادراً على القيام بفعلٍ آخر) في هذه الحالة سوف تكون الخيارات الثلاثة التالية ممكنة:

أـ كان بمقدور يحيى أن يقوم بفعلٍ يثبت أن الله كان لديه قبل ثمانين سنة علمٌ كاذب.

ب ـ كان بمقدور يحيى أن يُحْدِث تغييراً في علم الله، بمعنى أنه كان يستطيع أن يقوم بفعلٍ يُغيِّر علم الله قبل ثمانين سنة.

ج ـ كان بمقدور يحيى أن يقوم بفعلٍ يجعل الله ـ الذي كان موجوداً حتّى ما قبل ثمانين سنة ـ غير موجودٍ في السنوات الثمانين الماضية.

ولكنْ لا شيء من هذه الفرضيات والخيارات (من أ إلى ج) صحيحٌ.

أما (أ) فهو غير صحيح؛ لأن الفرضية السابقة كانت تقول بأن العالم المطلق لا يمكن أن يكون شيءٌ من علمه واعتقاده كاذباً.

وكذلك (ب) إنما يكون خاطئاً؛ إذ لا يمكن للقيام بأيّ فعلٍ في زمن محدَّد من قبيل اللحظة الزمنية T1 أن يؤدّي إلى تغيير العلم الفرديّ الخاص في اللحظة الزمنية السابقة عليها، من قبيل: اللحظة الزمنية T1.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى (ج) أيضاً؛ إذ يمكن ردُّه بهذا الدليل المشابه، وهو أن القيام بأيّ فعلٍ في زمنٍ خاصّ، من قبيل: T2، لا يمكنه أن يؤدّي إلى إحداث تغيير في كينونة فردٍ خاصّ في زمنٍ سابق عليه،من قبيل: T1. وعليه:

1ـ لو كان الله العالم المطلق موجوداً في زمنٍ من قبيل: T1 عندها لو أن يحيى قام بالفعل X في اللحظة الزمنية T2 يكون الله في اللحظة الزمنية T1 عالماً بأن يحيى سوف يقوم بالفعل X في اللحظة الزمنية T2.

2ـ لو أن الله العالم المطلق يعلم بـ X عندها سيكون هذا العلم مستلزماً لصدق X.

3ـ لا يمكن لأيّ شخصٍ في أيّ زمنٍ أن يقوم بفعلٍ على نحوٍ متناقض.

4ـ لو أن شخصاً كان لديه في لحظةٍ زمنية من قبيل: T1 علماً بشيءٍ عندها لن يكون بمقدور أيّ شخصٍ في أيّ زمنٍ بعد اللحظة الزمنية الآنفة، من قبيل: T2، أن يؤدّي بذلك الشخص إلى أن لا يكون في تلك اللحظة الزمنية (T1) عالماً بذلك الشيء.

5ـ لو كان شخصٌ في لحظةٍ زمنيّة من قبيل: T1 موجوداً عندها لن يكون بمقدور أيّ شخصٍ في أيّ زمنٍ بعد اللحظة الزمنية الآنفة، من قبيل: T2، أن يؤدّي بذلك الشخص إلى أن لا يكون في تلك اللحظة الزمنية (T1) موجوداً.

6ـ بالنظر إلى فرضية وجود الله العالم المطلق، إذا كان الله في اللحظة الزمنية T1 عالماً بأن يحيى سوف يقوم بالفعل X في اللحظة الزمنية T2 عندها؛ بالنظر إلى الفرضية القائلة بأن يحيى يستطيع الامتناع عن القيام بالفعل X، يمكن لثلاث حالاتٍ ممكنة أن تكون موجودةً:

أـ كان يحيى في اللحظة الزمنية T2 قادراً على فعل شيءٍ يجعل علم الله في اللحظة الزمنية T1 كاذباً.

ب ـ كان يحيى في اللحظة الزمنية T2 قادراً على فعل شيءٍ يغيِّر علم الله في اللحظة الزمنية T1.

ج ـ كان يحيى في اللحظة الزمنية T2 قادراً على فعل شيءٍ يجعل الله غير موجودٍ في اللحظة الزمنية T1.

7ـ إن الحالة الأولى ـ بالنظر إلى المقدّمتين الثانية والثالثة ـ كاذبة.

8ـ إن الحالة الثانية ـ بالنظر إلى المقدّمة الرابعة ـ كاذبة.

9ـ إن الحالة الثالثة ـ بالنظر إلى المقدّمة الخامسة ـ كاذبة.

10ـ وعليه، نستنتج من ذلك كلِّه أن الله العالم المطلق إذا كان موجوداً، وكان في اللحظة الزمنية T1 عالماً بأن يحيى سوف يقوم بالفعل X في اللحظة الزمنية T2، عندها لن يكون بمقدور يحيى أن يتمنَّع عن القيام بالفعل X (بالنظر إلى المقدّمات، من المقدّمة السادسة إلى المقدّمة التاسعة).

بالنظر إلى هذا الاستدلال، وأخذ الشرط اللازم لفعل مختار (أي قدرة الفرد على القيام بفعلٍ أو امتناعه عنه) بنظر الاعتبار، وتعميم ذلك على جميع الأشخاص والأفعال، يمكن الوصول إلى هذه النتيجة، وهي: إنه على فرض وجود إلهٍ يحظى لذاته بالعلم المطلق لا يمكن للإنسان أن يكون مختاراً في أيّ واحدٍ من أفعاله([19]).

4ـ العلم المطلق والشامل

كما سبق أن ذكَرْنا (في القسم الثاني)، فإن مسألة العلم السابق واختيار الإنسان إنما هي نتيجةُ عدم التناغم بين القضايا (من القضية الأولى إلى القضية الثالثة). إن رأيَ ساندرز في باب ماهية اختيار الإنسان ـ كسائر الموحِّدين المنفتحين ـ رأيٌ غير متناغمٍ واختياري؛ بمعنى أنه يقرّ بأن الفاعل S إنما يُعَدّ حرّاً إذا كان قادراً على القيام بفعل A، وأن يكون في الوقت نفسه قادراً على الامتناع عن القيام بالفعل A. ولذلك فإنه في سياق حلّ التعارض المتقدِّم يذهب إلى إنكار القضية الثانية، بمعنى أن الله في اللحظة الزمنية T1 لا يعلم أن الفاعل S سوف يقوم بالفعل A في اللحظة الزمنية T3 أو لا يقوم به. يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن كلامه هذا لا يعني نفي العلم الإلهي المطلق، وإنما هو ينفي مجرّد العلم السابق فقط. ولكي نفهم هذا الكلام من ساندرز يجب أن تكون لنا نظرةٌ دقيقة إلى إحدى فرضيات نظرية العلم المطلق والشامل في خصوص طريقة كينونة المستقبل.

أـ المستقبل ليس واقعة موجودة في الماضي

إن العلم المطلق يعني أن لله علماً جامعاً وقطعيّاً بالنسبة إلى الماضي والحاضر، وأما المستقبل فهو ليس بالشيء الذي يمكن الإحاطة به علماً. وعليه فإن الله يعلم بكلّ شيءٍ يمكن الإحاطة به من الناحية المنطقية. وأما المستقبل فهو ـ بالنظر إلى قرارات الأفراد ـ منفتحٌ وغير متعيِّن. وبهذا المعنى يمكن أن يُكْتَب الوجود للكثير من اللحظات الاستقبالية الممكنة. وبطبيعة الحال فإن الله عالمٌ بجميع هذه الأمور بصفتها الإمكانية؛ أي إن الله يعلم بكلّ شيءٍ بما هو موجودٌ، لا كما هو غير موجودٍ. إن المستقبل في نفسه ليس أمراً ممكناً (ليس ضرورياً)، ومن هنا فإن الله يعلم المستقبل بوصفه أمراً ممكناً (أي كما هو موجودٌ)، لا بوصفه أمراً متحقّقاً (أي كما هو غير موجودٍ). إن عدم العلم هذا يؤثِّر في الكمال الإلهي. وعلى حدّ تعبير كلارك: «إن القول بأن الله لا يعلم الشيء الذي لا يكون في نفسه معلوماً لا يمكن أن يُعَدّ نقصاً»([20]). وعلى هذا الأساس فإن اتصاف الله بالعلم المطلق يعني أن الله سبحانه وتعالى يعلم بجميع الأمور التي يمكن العلم بها، ومن المحال أن يكون الشيء الذي يعلم به كاذباً. فكما أن القدرة المطلقة بمعنى «القدرة على القيام بكلّ ما هو ممكن من الناحية المنطقية» لا يُعَدّ ضعفاً بالنسبة إلى الله، فإن العلم المطلق بمعنى «العلم بكلّ شيء يمكن العلم به من الناحية المنطقية» لا يُعَدّ بدَوْره نقصاً بالنسبة إلى الله أيضاً. إن المستقبل ليس بالأمر الذي يكون قابلاً للعلم من الناحية المنطقية، وإن عدم وجود العلم الإلهي السابق بأمور المستقبل لا يستوجب ضعفاً في الكمال الإلهي.

والنقطة الهامّة والجديرة بالذكر هنا هي أن الله كان بمقدوره أن يخلق العالم بقدرته المطلقة، بحيث يكون المستقبل فيه متعيِّناً بجميع أجزائه، وأن يكون كلّ ما يحدث فيه مرصوداً وتحت السيطرة. بَيْدَ أن لازم هذا الأمر هو سلب الإرادة الحرّة من الإنسان؛ لأن علم الله الذي لا يقبل الخطأ، وإحاطته بكلّ شيءٍ، إنما هو بمثابة القطعية في وقوع وتحقُّق ذلك الشيء، وهذا يعني عدم الإرادة الحرّة. ولهذا السبب فقد عقد الله العزم على أن يخلق بإرادته عالماً يتمتَّع الأشخاص فيه بالحرّية والاختيار. وبطبيعة الحال فإن لازم هذا الأمر هو القبول بهذه المجازفة، وهي أن لا يعلم الله بشكلٍ دقيق ما الذي ستفعله مخلوقاته بإرادتها الحرّة.

إن لله علماً جامعاً وقطعيّاً بالنسبة إلى الماضي والحاضر. وأما المستقبل فلم يتعيَّن بشكلٍ كامل. إن علم الله بالمستقبل هو إلى حدٍّ ما قطعيٌّ ومحدّد (مغلق)، وإلى حدٍّ ما غير متعيِّن ولا محدَّد (منفتح). إن المستقبل بالنسبة إلى ما يعقد الأشخاص العزم على القيام به منفتح وغير متعيِّن. إذن يمكن أن تكون هناك الكثير من اللحظات الاستقبالية الممكنة. وإن الله يحيط علماً بها بأجمعها بصفتها الإمكانية. إنه بإمكانه ـ بالنظر إلى درايته وعلمه ومعرفته ـ أن يتنبّأ بالمستقبل. إن ماهية هذا العلم شاملةٌ؛ لأن علم الله يسير قُدُماً في التاريخ، مواكباً لمخلوقاته ويصنع المستقبل. إنه بسبب بُعْد نظره لا يُؤْخَذ أبداً على حين غِرَّةٍ؛ لأن العلم الإلهي من أفضل العلوم بالمقارنة إلى جميع الكائنات([21]).

5ـ تقبُّل المجازفة وإعادة النظر في بعض الصفات الإلهيّة

يمثِّل العلم الإلهي المطلق والشامل نموذجاً إلهياً جامعاً ومفهوماً. يرى ساندرز أن نموذجه اللاهوتي لاهوتٌ نسبيٌّ([22]). إن الله في هذا النموذج اللاهوتي هو إلهٌ متجسِّد ومتشخِّص، يقيم مع الإنسان علاقةً متقابلة (تقوم على أساس الأخذ والعطاء). إن هذا النموذج اللاهوتي يقدِّم تفسيراً مختلفاً عن التفسير التقليدي عن الله وصفاته. إن الإيمان التقليدي بالله ـ الذي يبدأ في اللاهوت الغربي مع أوغسطين([23]) وتوما الأكويني([24])، ويتَّخذ مكانةً واسعة في الكاثوليكية الرومية والبروتستانتية ـ يعمل على تعريف الله بهذه الصفات: إن الله كائنٌ غير زمني (لا وجود للقَبْل والبَعْد بالنسبة إلى الله، وإن لله مجرّد حضورٍ أبدي)، وفعلية مَحْضة، وبسيطة، وغير قابل للنفوذ من جميع الجهات (لأن الله بوصفه فعلية مَحْضة لا يمكن أن يأخذ شيئاً من المخلوقات، وبعبارةٍ أخرى: إن الله بالنسبة لنا مغلقٌ وغير منفتح)، وغير قابل للتغيير من جميع الجهات (إن كلّ تغييرٍ بالنسبة إلى الموجود الكامل إنما سيكون تغييراً نحو الأسوأ)؛ وله سيادةٌ مطلقة (فهو يُعْمِل مشيئته الدقيقة بحيث لا تواجه إخفاقاً أو نكوصاً، فإن البرنامج الإلهي لا يقبل المجازفة)، وعالم مطلق، وواجد للعلم السابق الشامل والقطعي (إنه يعلم المستقبل بشكلٍ فاعل، لا أنه يتكهَّن أو يتنبّأ به بشكلٍ منفعل).

يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن هذه الصفات تشكِّل مجموعةً وثيقة الصلة ومترابطة ببعضها، بحيث لا يختلف الأمر في البدء بأيٍّ منها. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن أوغسطين يذهب إلى إعطاء الأهمِّية الأكبر لعدم قابلية تغيير الله، بينما يذهب توما الأكويني إلى إعطاء الأهمّية الأكبر لبساطة الله، بَيْدَ أن النتيجة التي يصلان إليها في نهاية المطاف واحدةٌ. لا يمكن القبول ببعضها ورفض بعضها دون القول بعدم الانسجام المنطقي. إن القول بأن الله غير زمنيٍّ يعني أن الله لا يقبل التغيير. كما أن عدم القابلية على التغيير بدَوْرها تعني أن الله يخطِّط بشكلٍ دقيق. لو قبلنا بأن الله غير زمنيّ، ثمّ قلنا بعد ذلك: إن الله يتألَّم أو يعيش حالة وتجربة تغيير العواطف والمشاعر، نكون قد سقَطْنا في فخّ التناقض؛ لأن هذا النوع من الأمور زمنيّ([25]). وعلى حدّ تعبير الفيلسوف الإصلاحي نيكولاس ولترستورف([26]): إن الإيمان التقليدي بالله شبيهٌ بالكنزة المنسوجة بخيطٍ واحد، بحيث إذا سحبنا منه طرفاً فإن الكنزة كلّها سوف تنحلّ؛ بسبب الارتباط الضروري بين أجزائها من الناحية المنطقية: «عندما تسحب الخيط الغائر سوف يسحب في أثره مقادير كبيرة من الخيوط الأخرى. من ذلك أننا عندما نصدّق عدم شرطية الله ـ على سبيل المثال ـ يجب أن نذعن ونقرّ بأبديّته وعدم قابليته للتغيير أيضاً»([27]).

إن علم الله بالأفعال التي سوف تحدث في المستقبل ـ في هذا البيان ـ لا تقوم على قراراتنا بنحو العلّية؛ لأن من شأن هذا الأمر أن يُضْعِف من الفعلية المَحْضة، والتي لا تقبل التغيير والتأثُّر. يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن هذه الصورة عن الله ليست لها أيّ نسبةٍ واضحة مع العالم والإنسان. وخلافاً لذلك يتمّ بيان صفات الله في اللاهوت النسبيّ في إطار صلته بالعالم. إن الله المتشخِّص والمتجسِّد يقيم علاقة تواصلٍ وصحبة مع الأشخاص، وهذا الأمر يحتوي على خصائص المخاطرة (المجازفة). إن مخاطرة الله تعني أنه لا يرصد أحداث مستقبل العالم بشكلٍ دقيق (السيطرة الدقيقة في مقابل تقبُّل المخاطرة). «لو نظَّمنا الأحداث والوقائع بشكلٍ واعٍ؛ لكي تقع تماماً كما نريد لها أن تقع، لن تحدث أيّ مجازفةٍ أو مخاطرةٍ في البين»([28]).

من الواضح أن نظرية العلم الإلهي السابق بهذا المعنى لا تجتمع مع القبول بالمجازفة. إن العنصر الرئيس في المخاطرة يكمن في منح الحرّية للمخلوقات، وهذا الأمر يستلزم عدم تحقُّق بعض المطالب والأوامر الإلهية([29]). إن الله من خلال خلق العالم اللامتعيِّن والكائنات الحرّة قد تقبَّل خَوْض بعض الأخطار والمجازفات([30])؛ إذ من المحتمل تماماً أن تؤدّي قرارات المخلوقات إلى انفصال الله عن مطالبه. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن أموراً من قبيل: المعاصي والآلام والشرور ليست متعلّقاً لإرادة الله أبداً. إن ارتكاب المعاصي من قِبَل المخلوقات يُعَدّ خَرْقاً جزئيّاً([31]) للمشروع الإلهي، وليس هناك سوى طريقٍ واحد للخروج من الخطر، وهو القبول بصورةٍ من الجَبْر اللاهوتي([32]). إن فهم هذا النموذج اللاهوتي يحتاج إلى إعادة نظرٍ في مجموع الصفات الإلهية. يذهب ساندرز إلى القول بأن أهمّ صفةٍ إلهية تجعل النموذج اللاهوتي المتقبِّل للمخاطرة والمجازفة قابلاً للفهم هي صفة الحبّ.

أـ صفة الحبّ

في التصوير الأفلاطوني عن الله تكون المحورية لعدم التغيُّر، والانفصال، وعدم التَّبَعية، والقدرة، والاستقلال، والسيطرة، في حين أن النسبية وتقبُّل المخاطرة من قِبَل الله إنما يمكن فهمها وإدراكها ضمن علاقة من المحبّة. إن الله يمنحنا الفسحة والحرّية بإرادته واقتداره؛ لكي نقف منه في علاقةٍ زاخرة بالحبّ، وأن نستمتع بهذه العلاقة. وعلى حدّ تعبير سورين كركيغارد: إن الحبّ هو المبنى والأساس لتبلور العلاقة بين الخالق والمخلوق؛ إن الحبّ لا يجبر أحداً، وإنما يخلق فضاءً للمخلوقات؛ لكي تدخل وتشارك في لقاء الحبّ بملء رغبتها وحرّيتها وإرادتها([33]).

إن للحبّ ثلاث خصائص أساسية، وهي: الإطلاق؛ والمخاطرة؛ وتقبّل الضَّرَر. إن إطلاق الحبّ يعني القلق غير المحدود من أجل الآخرين. وحيث يروم الشخص العاشق أن يهب محبوبه جميع ما يملك يكون الحبّ لذلك مطلقاً وغيرَ محدودٍ. وإن اشتمال الحبّ على مخاطرة يعني أنه لا يسيطر على الآخر؛ لأن علاقة الحبّ في الأساس لا تشتمل على أيّ ضمانةٍ من الآخر (المحبوب)؛ فليس هناك ما يضمن أن يقبل المحبوب هذه العلاقة أم يرفضها. وكذلك فإن علاقة الحبّ تشتمل على انفعالٍ وتَبَعية، ولذلك فإنها لا تخلو من احتمال تعرُّض العاشق إلى بعض الخسائر والأضرار أيضاً. يرى ساندرز، من خلال تأكيده على هذه الخصائص في الحبّ، أن العلاقة بين الله والإنسان منطويةٌ على المخاطر والأضرار، ثمّ إنه يرى أن الله بمعنىً من المعاني أكثر عرضةً للضَّرَر في هذه العلاقة؛ إذ لا يمكنه أن يكون مطمئناً من ردود أفعالنا، كما نحن نطمئنّ إلى وفائه لحبِّه لنا([34]). وعلى الرغم من اعتبار مفهوم الحبّ في اللاهوت التقليدي موضوعاً هامّاً، إلاّ أنه لم تتمّ متابعة لوازمه (من قبيل: تقبُّل المخاطرة والضَّرَر) بشكلٍ صحيح أبداً.

ب ـ صفة الحكمة

يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن يجب فهم صفة الحكمة الإلهية([35]) في ضوء صفة المحبّة. إن الحكمة الإلهية تعني أن الله المُحِبّ قد قصد بإرادته وحرّيته أن لا يسيطر بقدرته البَحْتة على مخلوقاته بشكلٍ مطلق. إن الله يُعَدّ في اللاهوت التقليدي موجوداً عالماً مطلقاً يعمل منذ البداية على تثبيت كلّ شيءٍ بشكلٍ كامل. إن فكرة الله صانع الساعة أو الإله المتقاعد إنما هي ثمرةُ هذه النظرة التقليدية إلى حكمة الله. يطلب منا ساندرز أن نتأمَّل ونفكِّر لنرى في أيّ تصويرٍ من التصويرين التاليين تتجلّى حكمة الله بشكلٍ أكبر وأعمق:

1ـ التصوير التقليدي الذي يكون كلّ شيء فيه قد تمّ تعيينه بالتفصيل منذ البداية؛

2ـ التصوير اللاهوتي المنفتح الذي يتمتَّع فيه الناس بحرّية التصرُّف، ولم يتمّ تعيُّن المستقبل بشكلٍ كامل؟

قد يذهب شخصٌ إلى اختيار التصوير الأوّل([36]). إن ساندرز لا يذكر استدلالاً واضحاً على تفوُّق وأفضلية التصوير الثاني، سوى التأكيد أوّلاً على أن عظمة علم الله في التصوير الثاني ليست بأقلّ من التصوير الأوّل، وثانياً: إن العلم المطلق لله في التصوير الثاني ـ خلافاً للتصوير الأوّل الذي يتمّ فيه إظهار العلم المطلق بمنزلة البنك المعلوماتي الكبير ـ مرتبطٌ بالحكمة العميقة والشاملة في اتخاذ قراراته؛ بمعنى أن الله، بالإضافة إلى كونه عالماً مطلقاً، يتَّصف بالحكمة أيضاً، ولديه القدرة على حلّ المشاكل والمعضلات والتغلُّب عليها([37]).

ج ـ صفة القدرة

يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأنه قد تمّ فهم صفة القدرة في اللاهوت التقليدي غالباً بشكلٍ انتزاعيّ وصوري. إن الله وجودٌ ضروريّ ومتعال، ونتيجةً لهذا التعالي المَحْض فإنه منفصلٌ عن أيّ شيءٍ آخر. يتمّ في هذا التصوير اعتبار صفاتٍ، من قبيل: الحبّ واللطف بالقياس إلى القدرة المطلقة والمتعالية، صفاتٍ فرعية. يرى ساندرز أن هذا التصوير التقليدي للقدرة الإلهية المطلقة مدمِّرةٌ للعلاقة المتبادلة بين الله والإنسان. إنه يرى هذا التصوير مرتبطاً بمفهوم النجاح في الثقافة الغربية؛ حيث يتمّ فهم النجاح في ضوء قدرة التغلُّب على الآخرين. في هذه الرؤية يجب أن يكون الله هو الغالب على الدوام، ولكي يكون غالباً يجب أن يكون مثل الملك والسلطان العظيم الذي يبسط سيطرته التامة والكاملة على جميع مفاصل التاريخ، دون أن يقبل بالهزيمة أبداً([38]). في حين أن النصوص المقدَّسة تصوِّر الله مزيجاً من الحبّ والقدرة. يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بعدم إمكان تفسير الحبّ بمعزلٍ عن القدرة، أو تفسير القدرة بمعزلٍ عن الحبّ. إن القدرة المَحْضة من دون حبٍّ تغلق طريق التواصل المتبادل بين الله والإنسان، ومن ناحيةٍ أخرى يجب عدم تفسير هذا الكلام بمعنى عجز الله. يلجأ ساندرز إلى استخدام مصطلح «القدرة المشفقة»([39])؛ للجمع في الدلالة على قدرة الله وعلى حبِّه أيضاً. وهو يرى أن تجسُّم الله يمثِّل النموذج الكامل لهذا المزيج: إن الله ليس مجرَّد سيّد للتاريخ، بل إنه يدخل التاريخ بنفسه[…]، دون أن يفقد امتياز طبيعته اللامخلوقة[…]. إن بمقدوره أن يضع نفسه في معرض الشرائط اللامتناهية والزمنية، دون أن يفقد شيئاً من تعاليه وكبريائه وعظمته([40]).

6ـ زمنيّة الله ونظريّة العلم المطلق الشامل

إن نظرية العلم المطلق الشامل تستلزم زمنيّة الله. إن الله المتشخِّص يقيم علاقةً تبادلية مع العباد، وفي هذه العلاقة التبادلية يطرأ عليه التغيير. وإن قبول الله للتغيير بدَوْره يتضمّن الزمنية أيضاً. إن الله اللازمني مفهومٌ انتزاعيّ من قبيل: العدد 5، فهو موجودٌ فقط، ولا يستطيع إقامة الارتباط والتواصل مع العباد. وبطبيعة الحال فإن ساندرز يفرِّق بين معنيين من الزمان: الزمان الكمّي، الذي يقبل القياس، ويبدأ بخلق عالم المادّة؛ والزمان النفسيّ، الذي يتمثَّل في تجربتنا للعلم والمعرفة، وهي التجارب التي نستذكر فيها الماضي، ونتنبّأ بالمستقبل. إن الزمان ليس شيئاً، بل هو جزءٌ من حياة الله، وهو يشير إلى توالي الأحداث في تجربته.

إن الزمنية في الرؤية التقليدية؛ بسبب عدم ثباتها، تُعَدّ نقصاً، وتلازم الفساد وعدم الثبات. إن الموجود المتعالي والثابت منزَّهٌ عن جميع أنواع النقص. وحتّى القول بأن الله «في» الزمان هو دون شأن الله؛ إذ يعني أن الزمان أكبر من الله. وأما في التصوير الذي يقدِّمه ساندرز عن زمنية الله نجد أن الزمان يمثِّل نوعاً من الوَعْي والإدراك الدائم والمتعالي، وبهذا المعنى يُعتَبَر نوعاً من الكمال. إن الله يقيم الارتباط بنا بطرقٍ تناسبنا، ولازمُ ذلك هو التغيير في بعض الجهات. وبالمناسبة فإن العجز عن إقامة هذا الارتباط يُعَدّ نوعاً من النقص. وعلى هذا الأساس لا يكون القول: «إن الله موجودٌ في الزمان» صحيحاً. إن كلمة «في» يتبادر منها تصوُّر أن الزمان شيءٌ أو ظرفٌ مادّي، في حين أن زمنية الله تعني أنه يعيش تجربة الاستمرار والتوالي، بوصفه نوعاً من الإدراك الزمني.

يُضاف إلى ذلك أن القولَ المتزامن لـ «إن الله غير زمني» و«إن الله يعيش تجربة الزمن» تناقضٌ صريح. إن معقولية النموذج اللاهوتي بدَوْره رَهْنٌ بمفهومية وانسجام قضاياه. وبطبيعة الحال فإن الانسجام لا يستلزم الصدق، ولكنْ لا شَكَّ في أنه يؤدّي إلى عدم صوابية النموذج. يرى ساندرز استحالة الإيمان بالأمر المتناقض الذي لا يشير إلى أيّ حقيقةٍ([41]). كما أن الاستفادة من المنطق في اللاهوت بالنسبة إلى اللاهوتيين أمرٌ لا مفرَّ منه([42]). ومن ذلك، على سبيل المثال، أن «السيطرة الدقيقة للمشيئة الإلهية» و«مسؤولية الإنسان» مفهومان متناقضان؛ لأنهما بمثابة القول: إن الله يسيطر بشكلٍ دقيق على كلّ ما يحدث، وأن نؤمن أيضاً بأن الله لا يسيطر بشكلٍ دقيق على كلّ ما يحدث، وهذا نوعٌ من التناقض الصريح. كما نشاهد ذات هذا التناقض في التفسيرات التقليدية لعدم زمنية الله ونوع الارتباط الذي يقيمه مع الإنسان. إن الإله اللازمني عند الفلاسفة لا يتمتَّع بأيّ إدراكٍ للزمان «الراهن». لا يمكن لمثل هذه التجربة بالنسبة إلى الله اللازمني أن تكون موجودةً. هناك الكثير من الأعمال التي لا تستحيل من الناحية المنطقية، بَيْدَ أن الموجود اللازمني لا يستطيع القيام بها. ومن ذلك أن الله بالنحو الأوّل ـ على سبيل المثال ـ لا يعلم كيفية الحزن أو التألُّم. وبطبيعة الحال فإن الله يمتلك علماً موضوعياً بهذا النوع من الأمور، ولكنه لم يعِشْ تجربةَ أيّ إحساسٍ أو شعورٍ من قبيل: هذه الأمور. كما أن الله لا يستطيع أن يخطِّط، وأن يعمل على تغيير خططه، وأن يتوقَّع ويتَّخذ بعض ردود الأفعال؛ فإن جميع هذه الأمور تستلزم الزمنية والاشتمال على قَبْل وبَعْد. إن الله اللازمني غير قابلٍ للتغيير أبداً، ولا يمكن النفوذ إليه، ولا يمتلك شعوراً وإحساساً، ومن هنا لا يمكن أن يتأثَّر بنا. في حين أن نظرية العلم الشامل تنسجم تماماً مع قابلية تغيير المشيئة الإلهية، وتأثير الدعاء من قِبَل الإنسان على الله الزمني([43]). وهذا يعني أنه قد تمّ حتّى في اللاهوت التقليدي ـ خلافاً لما يتصوَّره أنصاره ـ أخذ بعض المحدوديّات والقيود بالنسبة إلى الله أيضاً.

في الجدول التالي تمّ تبويب وبيان الاختلافات بين الإيمان التقليدي والإيمان المنفتح، باختصارٍ([44]):

7ـ قراءةٌ نقديّة في نظريّة العلم المطلق الشامل([45])

يذهب ساندرز ـ مثل سائر أنصار اللاهوت المنفتح ـ إلى الاعتقاد بأن مسألة العلم الإلهي لا تتمثَّل بالبحث حول حدود هذا العلم وثغوره، بل الكلام عن محتوى العلم الإلهي. ويبقى الله هو العالم المطلق؛ بمعنى أنه عالمٌ بجميع الوقائع والأحداث بشكلٍ كامل. بَيْدَ أن المسألة هي أن المستقبل ليس ممّا يُعْلَم أصلاً؛ ولذلك فإن عدم العلم به لا يُعَدّ نقصاً في العلم الإلهي المطلق.

بَيْدَ أن البعض يرى أن رؤية اللاهوت المنفتح في باب كيفية المستقبل تؤدّي إلى إضعاف العلم الإلهي المطلق، وعليه فإنها سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى إضعاف الحاكمية الإلهية. ومن ذلك أن ديفد هانت ـ مثلاً ـ يرى أن الله إذا لم يكن لديه أيّ علمٍ بالمستقبل لا يمكن اعتباره عالماً مطلقاً. إذا كانت قضية من قبيل: P بشأن حادثة وقعت في الماضي صادقةً في اللحظة الحالية إذن قبل زمن وقوع هذه الحادثة (في الماضي) سوف تكون القضية المستقبلية التي تقرِّر تلك الحادثة صادقةً أيضاً. وقد مثَّل هانت لذلك بالزوال العَرَضي للذرّة الإشعاعية بواسطة العدّاد جايجر. لنفترض أن العبارة التالية، والتي تعود إلى الزمن الماضي، تبيِّن قضيّةً صادقة: (P) أصدر العدّاد جايجر في الزمن T صوتاً.

ولكنْ لو كانت القضية (P) صادقةً في اللحظة الراهنة فإنه قبل اللحظة الزمنية T تكون العبارة التالية ـ والتي تعود إلى المستقبل ـ بياناً لقضيّةٍ صادقة أيضاً: (F) إن العدّاد جايجر سوف يصدر صوتاً في اللحظة الزمنية T.

وبطبيعة الحال فإنّ هانت يذعن ويُقرّ بأن كيفية صدق القضية المستقبلية، مثل: (F)، مبهمة؛ إذ إن القضايا الاستقبالية ـ خلافاً للعبارات المرتبطة بالزمن الماضي، والتي تتحدَّث حول أمور سبق لها أن وقعَتْ ـ إنما هي بشأن أمورٍ لم تقع بعد. ولهذا السبب لا يكون بمقدور العالم الذي يشرف على العدّاد جايجر أن يتنبَّأ بـ (F). بَيْدَ أن هذه الحقيقة إنما ترتبط بالقيود المعرفية المفروضة على الكائنات ذات الوَعْي والإدراك المحدود، دون صدق القضية (F)؛ إذ يكفي لصدق القضية (F) أن يُصدر العدّاد جايجر صوتاً في اللحظة الزمنية T، فإنْ تحقّق ذلك سوف تكون القضية (F) صادقةً، وإذا كانت القضية (F) صادقةً فإن الشخص الذي لم يستطع العلم بها لا يمكن اعتباره عالماً مطلقاً([46]). وادّعى وليم كرايغ بدَوْره أن القضايا المستقلّة تحتوي على قيمة الصدق على كلّ حالٍ، وأن جهل الله بها يؤدّي إلى إضعاف العلم الإلهي المطلق([47]).

ولو صدق هذا الكلام بشأن علم الله فإنه يشتمل على لازمٍ في خصوص القدرة الإلهية أيضاً؛ إذ يلزم منه أن لا يكون لله سيطرةٌ كاملة على أحداث المستقبل. وإن إضعاف القدرة الإلهية المطلقة يؤدّي إلى نفي وجود الله. يمكن مشاهدة هذا الرأي في الكلام التالي المنقول عن أحد اللاهوتيين المعاصرين؛ إذ يقول: «إذا كان جزءٌ من الخلق خارجاً عن دائرة الحاكمية عندها لن يكون الله حاكماً؛ وإذا لم يكن الله حاكماً فلن يكون إلهاً[…]، ولو أن ذرّة في هذا الكون عملَتْ من تلقاء نفسها دون تدبيرٍ من الله عندها لن يكون هناك ما يضمن تحقُّق حتّى وعدٍ بسيط من الله؛ إذ من الممكن لتلك الذرّة المستقلّة أن تحبط جميع الخطط الإلهية العظيمة التي وضعها لنا، ويمكن لتلك الذرّة المستقلّة أن تحول دون عودة السيد المسيح»([48]).

إلاّ أن الاعتقاد والتوحيد المنفتح يذهب إلى القول بأن الأشخاص بمقدورهم التأثير على إرادة الله في إطار تحقيق أهدافهم وغاياتهم، ويتصرَّفون في الإرادة الإلهية. إن الله يهدف من وراء خلق العالم إلى غايةٍ وخطّة، ولو أن عدداً ملحوظاً من الناس اختاروا حبّ الله بملء إرادتهم فسوف يُكْتَب التحقُّق لغايته. بَيْدَ أن المشكلة ـ من وجهة نظر ساندرز ـ تكمن في أنه لا يوجد ما يضمن هذه المسألة. فحتى الله نفسه لا يستطيع أن يضمن ذلك؛ إذ إن علم الله محدودٌ، وسوف يكون مقيَّداً بما سيقوم به الفاعلون المختارون. على الرغم من معرفة الله لنا جيداً، ويمكنه أن يتنبّأ بأعمالنا أفضل من أيّ شخصٍ آخر، بَيْدَ أن الفعل كلّما صدر في زمانٍ أبعد من المستقبل سوف يكون هناك المزيد من العوامل التي من شأنها أن تؤثِّر في قرار الفاعل. عندما قام الله بخلق الكون لم يكن يعلم على نحو القطع واليقين ما الذي سيفعله الناس بعد آلاف الأعوام. صحيحٌ أن الله قد قبل بخَوْض هذه المجازفة لغاياتٍ خاصّة، ولكنْ يُحتَمَل تماماً أن لا يُكْتَب التحقُّق لهذه الغايات أبداً. وبطبيعة الحال يمكن لهذه المجازفة الناظرة إلى خسارة الله أن تنخفض عبر التدخُّل المستمرّ من قِبَله، بَيْدَ أن هذا الكلام لا يتماهى مع رؤية ساندرز. وعليه ما دامت جهود الله رَهْناً بانتخابنا الحرّ فسوف تكون المجازفة الناظرة إلى خسارة الله في سياق تطبيق المشروع والمخطَّط الإلهي قائمةً على حالها. وإن خسارة المشروع لا تليق بشأن الله الكامل والمتعالي.

يُضاف إلى ذلك أن رؤية ساندرز ـ كما أشار ريتشارد بويد ـ في خصوص علم الله بالمستقبل يستلزم نوعاً من العَدَمية. طبقاً لهذا الرأي لا يعلم الله ما الذي سوف يحدث في المستقبل على نحو القطع واليقين. إذن لا يوجد أيّ اطمئنانٍ بأن أحداث حياتنا جزءٌ من الخطّة والمشروع الإلهيّ. ويمكن لذلك أن يؤدّي إلى أن تكون الآلام والمتاعب التي نعاني منها في الحياة عديمةَ المعنى بالنسبة لنا. إن الأشخاص من خلال الاطمئنان بحكمة الله، والاعتقاد بأن لصعوبات الحياة سبباً وحكمةً، ولا يحدث شيءٌ دون علم الله وقدرته، يمكنهم تحمُّل الصعاب والآلام، وأن يتفاءلوا بالمستقبل، وأن يكون هناك معنىً ومفهومٌ لحياتهم. وبعبارةٍ أخرى: إن حلّ وفصل معضلة الشرّ في غياب إلهٍ عالم مطلق يبدو محالاً([49]).

والنقطة الأخيرة تعود إلى فرضيّات رؤية ساندرز. سبق أن أشَرْنا سابقاً ـ في الفصل الثالث ـ إلى استدلال بايك، وقلنا بأنه إذا كان الله يعلم مسبقاً بالذي سوف أقوم به لن أكون قادراً بعدها على أن أعمل بشكلٍ آخر. يشتمل هذا الاستدلال على الكثير من الفرضيات المسبقة، ومن بينها: عدم احتمال الخطأ على العلم الإلهي، وماهية الزمان، وما إلى ذلك. بَيْدَ أن واحداً من فرضيّاته يحتوي على معنىً من الاختيار يتعارض مع العلم الإلهي. وكما سبق أن ذكَرْنا فإن استدلال بايك يمثِّل قراءةً لاهوتية عن دليل الاستلزام؛ حيث هو من أهمّ الأدلّة لصالح عدم التماهي والانسجام بين الاختيار والضرورة. إن استدلال بايك، وكذلك دليل الاستلزام، لصالح عدم التناغم بين العلم السابق واختيار الإنسان واحدٌ من فرضيات نظرية جون ساندرز. يذهب ساندرز ـ في ضوء فرضيّة عدم الانسجام ـ إلى الاعتقاد بأن الفاعل إنما يكون حرّاً إذا كان يتمتَّع بالقدرة على القيام بالفعل على نحوٍ آخر. ولكنْ علينا أن نعلم بأن هذا ليس هو المعنى الوحيد الذي يكوِّنه الفلاسفة عن الاختيار في أذهانهم. إن تلك المجموعة من الفلاسفة، الذين يندرجون تحت عنوان الانسجاميّين، يذهبون إلى الاعتقاد بأن الإرادة الحرّة لا تحتاج في الأصل إلى الإمكانات البديلة. إن أصل الإمكانات البديلة يقول: إن الفاعل S إنما يمكن اعتباره حرّاً إذا أمكنه أن يقوم بالفعل على نحوٍ آخر. بَيْدَ أن هاري فرانكفورت ـ وهو من الانسجاميين ـ يثبت من خلال بيان بعض الأمثلة عدم وجود التنافي بين الحرّية والضرورة([50])؛ حيث إن الحرّية اللامتماهية واحدةٌ من الفرضيات السابقة في نظرية جون ساندرز، يمكن القول بأن صوابية الانسجامية والتماهي سوف تعني عدم صوابية رؤية جون ساندرز؛ إذ لو صحَّت الانسجامية فإن هذا سوف يعني عدم وجود أيّ تنافٍ بين الضرورة الناشئة عن العلم الإلهي وبين الاختيار.

8ـ خلاصةٌ واستنتاج

تعرَّضْنا في هذا المقال إلى بحث ومناقشة رؤية جون ساندرز، وهو من المدافعين عن نظرية التوحيد المنفتح. يسعى ساندرز ـ من خلال تقديمه لنموذج الإله المجازف ـ إلى بيان طريقة حلٍّ مناسبة للتعارض بين العلم الإلهي السابق واختيار الإنسان. ولكي يعمل على رفع هذا التعارض فقد لجأ إلى نظرية العلم المطلق والشامل من خلال نفي العلم الإلهي السابق. وحيث إن المستقبل من الناحية المعرفية منفتحٌ، وإن العلم الإلهي السابق بالأفعال الاختيارية للإنسان ليس ممكناً من الناحية المنطقية، يمكن القول بأن الله ليس لديه علمٌ قطعيّ بالمستقبل، دون أن يستوجب هذا الكلام خَلَلاً في العلم الإلهي المطلق. يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن هذه الرؤية (نظرية العلم الإلهي المطلق والشامل)، بالإضافة إلى انسجامها الكامل مع النصوص الدينية، ودفاعها الأفضل عن الأصول والعناصر الإلهيّة الأساسية، من قبيل: اختيار الإنسان، وقابلية المشيئة الإلهية للتغيير، والحبّ الإلهي، وقيمة الدعاء والمناجاة، إنها بالإضافة إلى ذلك لا تعاني من الإشكالات المنطقية الموجودة في الرؤية التقليدية أيضاً. وفي القسم الأخير من هذه المقالة تعرَّضْنا إلى نقد هذه الرؤية ومناقشتها، وعملنا على بيان نقاط ضعفها أيضاً.

الهوامش

(*) طالبةٌ في مرحلة الماجستير في كلِّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة (قسم فلسفة الدين) ـ جامعة طهران.

(**) أستاذٌ مساعدٌ في قسم الفلسفة في كلِّية الآداب والعلوم الاجتماعيّة ـ جامعة الخوارزمي، طهران.

([1]) omniscience.

([2]) Foreknowledge.

([3]) أنتوني كيني (1931 ـ ؟؟؟م): فيلسوفٌ بريطاني. عضوٌ في الأكاديمية النرويجية للعلوم والآداب، بالإضافة إلى الأكاديمية البريطانية، والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. (المعرِّب).

([4]) See: Kenny, Anthony. 1979, The God of the philosophers. Clarendon Press. P. 10.

([5]) Infallibility.

([6]) alternative possibilities-AP.

([7]) See: Hasker, William. 1989. Hasker, William. 1989. God, Time and Knowledge. Ithaca, N.Y.: Cornell University Press. P. 66.

([8]) determinism.

([9]) logical determinism.

([10]) Divine determinism.

([11]) إن كلّ نوعٍ من أنواع التقديرية يُعَدّ نوعاً من أنواع الحَتْمية. وأما في مورد التقديرية الإلهية، وما إذا كانت نوعاً من التقديرية المنطقية، فهناك اختلافٌ في وجهات النظر؛ هناك مَنْ يرى أن الاستناد إلى الحقائق المنطقية كافياً لاعتبار أفعال الإنسان جَبْرية، ولا يرى التقديرية الإلهية شيئاً أكثر من التقديرية المنطقية. انظر:

Cahn, Steven M. 1967. Fate, Logic, and Time. Yale University Press.

وفي مقابل هؤلاء ذهب بعضٌ إلى الاعتقاد بأن التقديرية المنطقية هي ذات التقديرية اللاهوتية التي برزت اليوم بثوبها المنطقي. انظر:

Finch, Alicia, and Ted Warfield. 1999, 233. «Fatalism: Logical and Theological». Faith and Philosophy 16 (2).

إلا أن هناك جماعةً أخرى تذهب إلى الاعتقاد بأن التقديريين وإنْ كانوا يستفيدون في بعض الأحيان   ـ لتأييد فرضيتهم ـ من البراهين المنطقية، بَيْدَ أن التقديرية اللاهوتية والتقديرية المنطقية لا تشتملان على ضرورةً مشابهة. إن «الوجوب» التقديري «وجوب ميتافيزيقي»، وليس «وجوباً» منطقياً هو حصيلة ضرورة قوانين المنطق. انظر:

Bernstein, Mark. 2015, «Fatalism,» in The Oxford Handbook of Free Will. Edited by Robert Kane. Oxford University Press. p. 65.

([12]) See: Zagzebsky, Linda Trinkaus. 1991, The Dilema of Freedom and Foreknowledge. New York: Oxford University Press. P. 3 ـ 4.

([13]) consequence Argument.

([14]) بيتر فان إينواغن (1942 ـ ؟؟؟م): فيلسوفٌ تحليلي أمريكي. (المعرِّب).

([15]) See: Van Inwagen, Peter. 2015. «Fatalism». In Freedom, Fatalism and Foreknowledge, edited by John Martin Fischer and Patrik Todd. New York: Oxford University Press. P. 15.

([16]) انظر: روبرت كين، فلسفه اختيار (فلسفة الاختيار): 250 ـ 251، ترجمته إلى اللغة الفارسية: فخر السادات علوي، نشر حكمت، طهران، 1391هـ.ش.

([17]) إن هذا البيان والتبويب مقتبسٌ من هذه المقالة:

Rice, Hugh. 2006. Divine omniscience, Timelessness, and the Power to Do Otherwise. Cambridge University Press.

([18]) See: Rice, Hugh. 2006. Divine omniscience, Timelessness, and the Power to Do Otherwise. Cambridge University Press. P. 123 ـ 139.

([19]) See: Pike, Nelson. 1965, Divine Omniscience and Voluntary Action. Duke University Press. P. 27 ـ 35.

([20]) See: Clarke, W. Norris. 1973. «A New Look at the Immutability of God.» In God, Knowable and Unknowable, edited by Robert J. Roth. New York: Fordham University Press. P. 65.

([21]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 206 ـ 207.

([22]) relational theism.

([23]) القدِّيس أوغسطين (354 ـ 430م): كاتبٌ وفيلسوف من أصل نوميدي / لاتيني. ولد في طاغاست (سوق أهراس حالياً في الجزائر). يُعَدّ أحد أهمّ الشخصيات المؤثِّرة في المسيحية الغربية. تعتبره الكنيستان (الكاثوليكية والإنجيليكانية) قدِّيساً وأحد آباء الكنيسة البارزين، وشفيع المسلك الرهباني الأوغسطيني. كما يعدّه العديد من البروتستانتيين أحد المصادر اللاهوتية لتعاليم الإصلاح البروتستانتي حول النعمة والخلاص. (المعرِّب).

([24]) توما الأكويني (1225 ـ 1274م): قسِّيس وقدِّيس كاثوليكي إيطالي من الرهبانية الدومينيكانية، وفيلسوفٌ لاهوتي مؤثِّر ضمن تقليد الفلسفة المدرسية وأحد معلِّمي الكنيسة الثلاثة والثلاثين، ويعرف بالعالم الملائكي والعالم المحيط. وهو أبو المدرسة التوماوية في الفلسفة واللاهوت. (المعرِّب).

([25]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 194 ـ 196.

([26]) نيكولاس ولترستورف (1932 ـ ؟؟؟م): فيلسوفٌ وعالمُ لاهوتٍ أمريكي. أستاذٌ فخري في مجال اللاهوت الفلسفي في جامعة بيل. كاتبٌ غزير الإنتاج، وقد كتب كتباً في علم الجمال ونظرية المعرفة والفلسفة السياسية وفلسفة الدين والميتافيزيقا. (المعرِّب).

([27]) See: Wolterstorff, Nicholas. 1999. Does God Suffer? Modern Reformation.

([28]) See: Helm, Paul. 1994. The Providence of God. Lnter Varsity Press. P. 40.

([29]) See: Basinger, David. 1991. «Middle Knowledge and Divine Control», International Journal for Philosophy of Religion 30 (3). P. 30.

([30]) يذهب ساندرز إلى التأكيد بأن الله لا يتقبّل المخاطرة لمجرّد المخاطرة، بل إنه يخاطر من أجل نعمةٍ يريد أن ينعم بها على الناس «نعمة الخلق».

([31]) إن هذه النقطة هامّةٌ جداً؛ إذ في النموذج اللاهوتي لساندرز يكون تقبُّل المجازفة مصحوباً بمجرَّد خرقٍ جزئي، وأما المشروع والمخطَّط العام والكلّي لله في خلق العالم فإنه لا يتعرَّض للخطر أبداً. وفي الأساس يفترض في تعريف القبول بالمخاطرة هذه النقطة أيضاً: «إن قبول المخاطرة شيءٌ نتقبَّل معه الخسائر المؤقَّتة، وفي الوقت نفسه نبقى في انتظار النتائج الإيجابية العامّة والكلية». انظر:

Gregersen, Niels Henrik. 2002, «Faith in a World of Risks: A Trinitarian Theology of Risk Taking». In For All People: Global Theologies in Context: Essays in Honor of Viggo Morterson, edited by Else Pedersen, Lam Holger and Peter Lodberg. Grand Rapids: Eerdmans. P. 229.

يذهب ساندرز إلى الاعتقاد بأن الله يبقى ـ في نهاية المطاف ـ وفيّاً لمشروعه العامّ والكلّي، ولا يخلّ بقواعد اللعبة؛ بسبب هذه الخسائر والإخفاقات الجزئية.

([32]) يجب أن لا نغفل عن هذه النقطة وهي أن الله ـ من وجهة نظر ساندرز ـ لا يعاني من الضغط والإكراه في تقبُّله للمجازفة. وإن الله كان بمقدوره أن لا يخلق العالم أصلاً، أو يخلقه بشكلٍ مغاير عن هذا العالم. إلاّ أنه بملء حرّيته وإرادته عمد إلى تحديد قواعد اللعبة على هذه الشاكلة، وهي أن يقع تحت تأثير مخلوقاته، وأن تكون أعماله مشروطةً. إن الله؛ لكي لا يجعل من مخلوقاته مجرَّد دُمى في مسرح الوجود، يقبل أن يتنازل إلى حدٍّ ما عن ألوهيته. انظر:

Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 175.

([33]) See: Kierkegaard, Soren. 1939. Christian Discourses. Translated by Walter Lowrie. New York: Oxford University Press. P. 32.

([34]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 177 ـ 180.

([35]) Divine wisdom.

([36]) يكمن هاجس بعض المؤمنين في أنه لا يمكن الاعتماد على الله الحرّ والقابل للتغيُّر، ويعترضون لذلك بالقول: كيف يمكن الاعتماد على إلهٍ قابل للضَّرَر؟ وفي الجواب عن إشكال هؤلاء يقول ساندرز: إن قبول الضَّرَر لا يلازم عدم الاعتماد؛ فإن دليل الاعتماد على الإله المتشخِّص هو أن الله قد أثبت وفاءه على طول التاريخ؛ فقد أقسم الله على نفسه بأن يبقى وفيّاً لعهوده، وقد أثبت هذا الوفاء في الماضي، وسيبقى وفياً له في المستقبل أيضاً. انظر:

Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 185 ـ 187.

([37]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 183 ـ 184.

([38]) See: Ibid, P. 188 ـ 189.

([39]) compassionate power.

([40]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 190 ـ 193.

([41]) إن ساندرز يميِّز بين معنيين من التناقض:

1ـ المعنى الواسع: كلُّ شيء يشمل نوعاً من التعارض.

2ـ المعنى المنطقي: القول بـ (أ) ولا (أ).

إنه يؤكِّد على أن مراده من التناقض هو المعنى الثاني. وعلى أساس هذا المعيار تكون أنواع الجناس والتشبيهات، وحتّى العبارات شبه المتناقضة، خارجةً عن معنى التناقض. إن اللغة شبه المتناقضة ليست متناقضة من الناحية المنطقية، بل رُبَما كان المراد منها التوقُّف والتأمُّل حول ذلك الموضوع. ومن ذلك، على سبيل المثال، أنه يعتقد أن مفهوم التثليث يفوق فهمنا وإدراكنا، بمعنى أننا لا نمتلك تصوُّراً عن كيفية حضور كائنٍ واحد في ثلاثة أشخاص، ومع ذلك لا يكون التثليث أمراً متناقضاً. انظر:

Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 32 ـ 36.

([42]) يذهب بعض المتكلِّمين المسيحيين إلى الادعاء بعدم استحالة الإيمان المتزامن بالأمور المتناقضة في مجال الدين؛ لأن الإنجيل يعلمنا هذه الأحكام جَدَلية الطرفين؛ إذن يمكن الإيمان بأن الله قد قدَّر وقوع كلّ شيءٍ (بما في ذلك أفعال الإنسان) والإيمان في الوقت نفسه بأن الناس مسؤولون عن أفعالهم من الناحية الأخلاقية. انظر:

Packer. J. I. 1967, Evangelism and the Sovereignty of God. Chicago: Inter Varsity Press. P. 24.

إن ساندرز لا يفكر بهذه الطريقة: «أنا لا أدّعي أن الله يستطيع أو لا يستطيع من الناحية المنطقية أن يقوم بالعمل المستحيل، بل على العكس؛ فإذا كان الله فوق التفكير المنطقي نحن لا نستطيع أن نعلم بهذا الأمر، ونحن على نحو اليقين لا نستطيع أن نكوِّن مثل هذا المفهوم عن الله في النظرية اللاهوتية التي نتَّخذها. وعلى الرغم من أن الله بالنسبة لنا غير قابلٍ للفهم والإدراك على نحوٍ كامل، بَيْدَ أننا نستفيد من القوانين المنطقية للحديث بشأن الله». انظر:

Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 32.

([43]) See: Sanders, John. 2007. The God Who Risks, A Theology of Divine Providence. Inter Varsity Press. P. 200 ـ 205.

([44]) See: Ibid, 2007, P. 218 ـ 219.

([45]) إن من بين الانتقادات التي أتَيْنا على ذكرها في هذا القسم مسألة تماهي رؤية ساندرز مع النصوص المقدَّسة. فقد ذكر ساندرز أبحاثاً تفصيلية في هذا الشأن، وهي تحتاج إلى بحثٍ مستقلّ آخر.

([46]) See: Hunt, David. 2001. «The Simple-Foreknowledge View». In Divine Foreknowledge, edited by Jammes k. Beilby and Paul R. Eddy. InterVarisity Press., P. 48 ـ 50.

([47]) See: Craig, William Lane. «The Middle-Knowledge View». In Divine Foreknowledge, edited by Jammes k. Beilby and Paul R. Eddy. 2001. P. 55 ـ 56.

([48]) See: Sproul, R. C. 1986. Chosen by God. Tyndale House. P. 26 ـ 27.

([49]) See: Boyd, Gregory A. 2001. «The Open-Theism View». in Divine Foreknowledge. Edited by Jammes k. Beilby and Paul R. Eddy. Intervarisity Press. P. 45 ـ 46.

([50]) See: Frankfurt, Harry G. 1969. «Alternate Possibilities and Moral Responsibility». Journal of Philosophy 66. P. 839.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً