البِدْعة ومبدأ التحذُّر الديني مطالعةٌ في زوايا جديدة للمفهوم والتطبيق

5 يناير 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
905 زيارة

البِدْعة ومبدأ التحذُّر الديني مطالعةٌ في زوايا جديدة للمفهوم والتطبيق

الحلقة الأولى

 

حيدر حبّ الله

 

تمهيد

يتّفق المسلمون جميعاً على تحريم البِدْعة في الدين، ويرَوْنها خلقاً لطقوس أو عادات أو مفاهيم تُلصَقُ بالدين، ولا علاقة للدين بها. فأيُّ إقحامٍ لما ليس من الدين في الدين يُعدّ عندهم بدعةً، على كلام وتفصيل بينهم في حدود تعريف البدعة، ومعاييرها، ليس هو محلّ نظرنا الآن.

كما يتفق المسلمون في ما يبدو على تصحيح الحديث النبويّ القائل: «كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النار»، ويرَوْن أنّه يعني ـ في المقدار المؤكَّد من مساحة دلالته ـ البدعة الدينية، أي اختلاق شيءٍ ما ليُعتبر ديناً، في الوقت الذي لا علاقة للدين في واقع الأمر به.

ولستُ معنيّاً هنا بالدخول في الموضوعات الفقهيّة لقضيّة البدعة، والتي عالجتُ قسماً منها في كتابي المتواضع (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 411 ـ 431)، بقدر ما أريد أن أقف على مفهومٍ سوف أُسمِّيه: «تحسُّس البدعة وتحذُّرها». وأقصد بهذا المفهوم أنّ الثقافة الدينية التي قدَّمتها لنا نصوص الكتاب والسنّة تسعى لخلق حِسٍّ جماعي يتحسَّس ظاهرة الابتداع في الحياة الدينية. وكأنّ هناك جهازاً يُراد ابتكاره على مستوى العقل الجمعي للأمّة، وهو يقضي بأن يرصد أيَّ ظاهرة بدعيّة ليقوم بتتبُّعها، ويبدي حساسيّته تجاهها. فالتديُّن السويّ هو ذاك التديُّن الذي يستشعر حالات الابتداع؛ لأنّ هذا الاستشعار هو جزءٌ من النظام الثقافي والوجداني الذي يخلقه الدين في الفرد، وفي الوسط الاجتماعي لأنصاره؛ كي يحمي نفسه من خلاله أمام محاولات الابتداع في الدين، والدسّ فيه، والاختلاق، ونسبة ما ليس من الدين إليه، وخلق أعرافٍ وعادات وتقاليد ومفاهيم ومسلكيّات يُراد لها الانتساب للدين، والدين لا علم له بها ولا خبر.

لقد رأينا هذا الحسَّ الديني موجوداً عند المسلمين في مواقع كثيرة، والحمد لله. وقد برز عبر التاريخ مجموعةٌ من العلماء الذين حاربوا ما اعتبروه بِدَعاً في الدين، وتحمَّلوا في سبيل ذلك المصائب، وألوان الطرد والنبذ والتوهين.

وعلى سبيل المثال: الإمام أبو إسحاق الشاطبي(790هـ)، منظِّر المذهب المقاصدي في الاجتهاد الشرعي، والذي يُعتبر من روّاد مشروع محاربة ظواهر البِدَع داخل مجتمعه ومذهبه وقومه، فضلاً عن الآخرين، حتّى ألَّف في ذلك كتاب «الاعتصام» الشهير. لقد نُبِذَ وحورب؛ لأنّه اعتبر ـ سواءٌ قَبِلْنا بما قال أم رفضنا ـ أنّ الدعاء للخلفاء الأربعة وللسلطان في خطبة صلاة الجمعة بِدْعةٌ لم ترِدْ في الدين، حتّى لو كانوا يستحقُّون هذا الدعاء في الواقع، لكنَّ جعله في خطبة الجمعة، وصيرورته سنَّةً يعتاد الناس عليها، في الوقت الذي تكون فيه خطبة الجمعة شعاراً دينيّاً، سوف يفضي إلى عادةٍ دينية جديدة لا أصل لها في الدين من وجهة نظره.

كما رأينا الكثير من العلماء يحاربون العادات المختَلَقَة باسم الدين هنا وهناك، فضلاً عن العادات الأخرى التي يُؤتَى بها غير منسوبةٍ إلى الدين، ولا تكون متوائمةً معه.

من الجميل أن يكون لدى العلماء والعاملين حسُّ التصفية للدين من الإضافات الزائدة عليه دوماً من قِبَل الثقافة الشعبيّة، ولو أدّى ذلك إلى بذل التضحيات في هذا السبيل. إنّ هذا الأمر يحول دون ولادة دين متضخِّم عبر التاريخ، فقد يكون الدين بسيطاً، لكنَّ التهاون أمام مظاهر تضخيمه، وإلصاق العادات والمفاهيم والتقاليد به باستمرار، سوف يؤدّي إلى تورُّمه وإعاقته، ليصبح أنموذجاً آخر من الدين، يُثقل كاهل الناس، ويثقلون كاهله.

ورغم كلّ هذه الإيجابيات في قضية مواجهة البِدْعة والتحسُّس منها، فقد رأينا في الوقت عينه تشوُّهات عرضت على هذا الحسّ الديني الفردي والجماعي؛ أدّت تارةً إلى تفعيله بطريقةٍ خاطئة انعكست سلباً على الدين والتديُّن؛ وأخرى إلى تعطيله بطريقةٍ ذكيّة، وهو ما سأشير باختصارٍ إلى نماذج قليلة منه في النقاط التالية:

 

أوّلاً: حالات التفعيل الخاطئ لمبدأ «تحسُّس البدعة وتحذُّرها»

هناك عدّة حالات تمّ فيها استخدام مفهوم البِدْعة بطريقة غير سليمة. وسأذكر هنا بعض النماذج الأساسيّة:

 

1ـ الابتداع بين تصفية الآخر وحماية الاجتهاد، معضلة التوفيق

المشكلة التاريخية والحالية عند بعض المسلمين أنّه يستخدم مفهوم البِدْعة لتصفية الحسابات مع التيّارات الفكرية أو المذهبيّة التي تقع على خلافٍ معه، بحيث إنّ هذا المفهوم (البدعة) أخذ ينحو المنحى التصفوي. فعندما تتَّهم شخصاً بأنّه مبتدِع، أو مقولةً ما بأنّها بِدْعة، فهذا يعني أنّك تعمد إلى تصفية الآخر وحرقه بمثل هذا المصطلح. ومع الأسف فقد تحوَّل مصطلح البِدْعة ومشتقّاته؛ بسبب هذا الاستخدام السلبي له، من بُعده الإيجابي ـ الذي هو الحماية للدين من الإضافة عليه ـ إلى بُعدٍ سلبيّ، تمثَّل في قتل مبدأ تعدُّد الاجتهادات، واعتبار كلّ اجتهاد مخالف لي بمثابة البِدْعة، أو على الأقلّ بعض الاجتهادات التي أختلف معها.

ومضافاً إلى وَفرة تطبيق هذه الحالة بين المذاهب والطوائف الإسلاميّة، نحن نجدها أيضاً داخل التيارات الفكرية. فالمعتزلة مبتدعة عند أهل الحديث والسلفيّة، والسنّة أهل بدعة عند الشيعة، وبالعكس، والفلاسفة مبتدعة عند أهل الأديان والكلام، كما فعلها الغزالي، وأراد تصفيتهم بها، إلى غير ذلك من التطبيقات.

عندما يتحوَّل مفهوم «تحسُّس البِدْعة» من حالة صحّية، يُراد لها الحَدّ من تضخُّم الدين على يد البشر، إلى حالة مَرَضيّة، يُراد لها تصفية الآخر وسدّ باب الاجتهاد، وقتل منافذ العُذر للآخرين، فإنّ فكرة البِدْعة ستصبح كارثةً، بعد أن كانت حماية صحيّة سليمة.

إنّ ما أفهمه من فكرة البدعة هو محاولة الدفاع عن الدين إزاء الركام الملقى عليه عبر الزمن، والذي يزيده ثِقْلاً هو بريءٌ منه، ولا أفهم فكرة البِدْعة بأنّها عنوان تصفوي، أو قاتلٌ لحريّة الرأي والاجتهاد، ولا سيّما أنّ العلماء والفقهاء المسلمين أنفسهم قد أخرجوا من البِدْعة حالات الاختلاف الاجتهادي، إلاّ أنّ تطبيقهم لقضيّة البِدْعة أطاح بكلّ التنظيرات التي وضعوها في هذا السياق، وسنرى كيف أنَّهم طبّقوا المفهوم بطريقةٍ صحيحة في مكانٍ، دون آخر.

وعليه، فإذا أوصلني اجتهادي إلى اعتبار أمرٍ ما بدعةً في الدين فإنّ من واجبي محاربة البِدَع، لكنّ هذا لا يعني إلاّ ضرورة مواجهة ظاهرة البِدْعة بالطرق العلميّة الوزينة التي تحفظ حرمات الآخرين وحقوقهم. فليس كلُّ ابتداعٍ هو خبثٌ قصديٌّ نشأ عند صاحبه، بل قد يكون ناشئاً عن حُسن نيّة، ومع ذلك لزمني محاربته.

ومعنى محاربته ليس فتح النار عليه، بل هي محاولة ردّه بالطرق السلميّة الصحّية الحضاريّة. إنّ الردود العلميّة على هذه الفكرة أو العادة التي أعتبرها بِدْعةً هي بنفسها محاربةٌ للبدعة، ولا يقف مفهوم محاربة البدعة عند أساليب التصفية، والهجوم العنيف، وإعلان الغضب، وأمثال ذلك، خلافاً لما باتت ثقافتنا الدينية المغلوطة تفرضه علينا من الربط والت