نبذة أ. د. عبدالأمير كاظم زاهد (*)

الموضوع بواسطة أ. د. عبدالأمير كاظم زاهد (*) :

تنظيرات الشهيد مطهري

2 أغسطس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
190 زيارة

تنظيرات الشهيد مطهري

لأيديولوجيا التأسيس للحركات الإسلامية أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)   المبحث الأول: تمهيدات البحث التاريخية لقد عرف تاريخ التجربة الإسلامية فكرة الجماعات الأيديولوجية منذ عصر الرسالة الأول، وكان أول اختبار للمؤمنين الأوائل بالرسالة أنهم وضعوا أمام اختيار الإمام الذي يحكم الدولة، ويحمي الدين بعد رسول الله|، ذلك الاختبار الذي تصرف فيه الأغلبية ضمن المفهوم […]

وثيقة المدينة المنوَّرة

19 فبراير 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬494 زيارة

وثيقة المدينة المنوَّرة

المفاهيم الحضارية، وأسس الدولة المدنية   أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)   مدخلٌ في شكل الدولة في العالم المعاصر هناك أنموذجان: أنموذج الدولة الدينية؛ وأنموذج الدولة المدنية. ولكلّ أنموذج طبيعته([1]) وماهيته. ولعل عصرنا يرجح أنموذج الدولة المدنية. وهذا الانتماء ناتجٌ عن المعطيات السلبية لتجربة الكنيسة في أوروبا في العصر المتوسط، والمعطيات الإيجابية للبديل الإصلاحي […]

نظريّة التكليف في التصوُّر القرآنيّ

7 نوفمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
507 زيارة

نظريّة التكليف في التصوُّر القرآنيّ

قراءةٌ في قصديّة النصّ   أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)   مقدّمة قدّم التصوّر الفلسفيّ القرآنيّ مشروعاً حضاريّاً للإنسانيّة، كان أبرز ما فيه قضيّة التكليف، التي اعتبرت الإنسان قوّة هائلة ومحركة للمعطيات الكونية، وطاقه قادرة على صنع التقدم والسعادة للنوع، فلم تتركه بلا منظومة واجبات، وحزمة حقوق، وقيم ضامنة. إنّ أساس نظريّة التكليف هي […]

أحكام الردّة

23 أكتوبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬057 زيارة

أحكام الردّة

قراءة أصولية في فقه الإمام الخوئي مؤشرات عامة في سمات البحث العلمي عند الإمام الخوئي ربما يحتاج البحث الأكاديمي حول مفكر أُصولي في موضوع ما، كتحديد القراءة الأُصولية، التعريف بسيرة وشخصية ذلك الفقيه، وحيث إنّ موضوعنا حول الإمام السيد أبي القاسم الخوئي، فلابد من تحليل المكونات العلمية لعقليته الفقهية، لكن لأننا نتحدث عنه في وسط […]

قيم العقل المعرفي الإسلامي وخيار العنف السياسي

2 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التصور المركزي للبحث:

لكل أُمة تطلع إلى مشروع حضاري، يخرج مجتمعاتها من وضع اختلال التوازن القيمي إلى وضع التوازن بين عوامل الارتقاء الذاتي وعوامل الدفاع عن الوجود؛ بحيث ينشط هذا التوازن في عالم التطبيق([1])، ولكل مشروع حضاري أيّا كانت طبيعته وسماته جذر معرفي متراكم، وإن تفاوت عمقه التاريخي، ومتى كان الجذر أقدم كان أكثر تركزاً. فللصيرورة التاريخية للمعرفة التي تتحول إلى عقل قابل للنقد والمساءلة آثارها التي تنتجها أحداث تاريخية متلاحقة ومستمرة، تعمل في خياراتنا المعاصرة، وترسم مواقفنا إزاء الأحداث والأفكار والمفاهيم، وتوجه أعمالنا الفردية والمؤسساتية([2]).

ويتشكل العقل المعرفي من المعتقدات والتشريعات والأعراف والتقاليد والقيم المتوارثة؛ ليكون بمجموعه معياراً للتفهم المعاصر، وأساساً للخطاب السياسي والحضاري، وخلفية للاختيار بين بدائل الموقف إزاء موضوع واحد([3]).

ويُعدّ الدين من أبرز عوامل تشكيل العقل المعرفي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنّ الإسلام هو المكون الأساس لثافة شعوبه حتى لغير المعتنقين لـه؛ لأنه صاغ المناخ الثقافي، وأوجد مساحة للتمازج والتعايش بين ثقافته وثقافة وعقائد المنتمين إلى غير دين الإسلام([4]).

لا يعزى التشكل السالب ـ فيما أعتقد ـ إلى أساسيات الإسلام أو نصوصه الرئيسة الأُولى، إنما إلى قراءات الفقهاء والمنظرين والمفكرين لتلك النصوص، ففي طول تاريخ تكوّن الثقافة المبتنية على أساس تلك النصوص الأُولى، تأسست مدارس واجتهادات ونـزعات فكرية وتوجهات وتيارات. ويُعدّ أمراً طبيعياً أن نصاً شمولياً مطلقاً من محددات الزمن والمكان والمستويات الحضارية والبيئية مثل النص القرآني أن يُقرأ قراءات متعددة، وتتناولـه اجتهادات متعددة، لا سيما وقد مرّ عليه زمن طويل تجاوز الخمسة عشر قرناً.

وعلى ما تقدم فلا يختلف إثنان في مكونات هذا الواقع المعرفي أو في مسبباته، ولا يختلف أحد في أن القضية في (قراءات الإسلام) التي أنتجتها ظروف التلقي لـه من جراء عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، بيد أنّ إشكالية البحث تدور حول أن هذه القراءات هي التي أنتجت عقلاً معرفياً قد أصبح فيما بعد المنظور والزاوية التي تحدد اختيار الموقف، فبقدر ما تكون القراءة برهانية موضوعية إيجابية منفتحة يكون الموقف المختار مثلـها، وبقدر ما تكون انغلاقية منكفئة تتوهم احتكار الحقيقة والصحة يكون الموقف من جنسها، ولعل سؤالاً يرد هنا: لماذا الإسلام والشرق الأوسط؟

المبحث الأول: الإسلام والشرق الأوسط وخيار العنف السياسي

هل تعني هذه الثنائية أن الإسلام ثقافة تولد الإرهاب؟

أقول: كلا، لا جنسية للإرهاب والعنف السياسي والعقائدي ولا دين لـه. نعم، للإرهاب ثقافة ربما تتصل بالدين تأخذ منه مشروعيته([5])، إلاّ أن الواقع الحالي وطبيعة مسارات الصراع بين (مجتمعات الشرق الأوسط) وهيمنات الدول الغربية والنادي الديمقراطي المسيحي، يفرض تحديداً للبحث نضعه بالسياق الآتي:

إن الطبيعة الدينية للإسلام طبيعة ممتزجة، غير قابلة للفصل في مكوناتها العقائدية والتشريعية والأخلاقية، فهو المعادل لوجود الإنسان بكل مسارات حركته ووجوده، وهو الذي يمنح التصور الكوني، ويضع نظرية تفصيلية ومحددة في التكليف بشكل شامل لأنماط السلوك.

وفي الإسلام هرم معياري ضابط ومنضبط، بعكس المسيحية ذات الأُفق الاعتقادي ـ على الأقل في أزماننا المعاصرة ـ دون التشريعي. أما اليهودية فهي دين ذو نـزعة لا يلتفت فيه إلى صحة اعتقاد من كانت أُمّه يهودية، ثم هو دين يدعو إلى تحقيق سيادة اليهود على العالم كلـه بالوسائل كافة، أما الاتجاهات الفكرية العلمانية فهي تهمل الجوانب الاعتقادية الكونية، وتركز على (قوانين المجتمع المدني)، بلا تقييد لحرية المعتقد والدين.

فالإسلام إذن، يختلف تماماً في تأثيره على صنع الإنسان؛ لأنه يرتبط به ارتباطاً صارماً لا مجال عنده لاتخاذ موقف دون العودة إلى موازينه وأُصولـه، وحيث أن موازينه وأُصولـه لم تبق في حدود النصوص الأُولى المؤسِّسة، إنما تجاوزتها إلى نصوص اجتهد الإنسان فيها على أساس من تلك الأُصول الأُولى، فألحقها التاريخ بالنصوص المؤسِّسة، فصارت منظومة معرفية ثم تحولت إلى عقل معرفي ثم قيم معيارية تكمن وراء كل تصرف، ومنها ممارسة العنف السياسي والعقائدي.

وهنا نتساءل:

ما صلة القيم المنتزعة من التراث والدافعة للعنف؟

الجواب: هناك صراع تاريخي بين مصالح الغرب وحقوق مجتمعات الشرق الأوسط، متى تم التحسس بالخطورة عليها، استعان الشرقي بقيمه وقراءاته التراثية لكي يكوّن شرعية للمواجهة([6])، ولعل هذه مقدمة (هي المدخل الأول) للإجابة عن: (لماذا الإسلام والشرق الأوسط)؟

فالصراع التاريخي على الموارد والنفوذ وطرق التجارة شكل تحدّياً مزدوجاً، زاده تزاحم وتدافع بين نظرية التبشير المسيحي، ونظرية الدعوة إلى الإسلام، فأوجد تعارضاً فيما بينهما (الغرب والشرق). وعلى تخوم أُوربا الجنوبية وتخوم العالم الإسلامي الشمالية نشأ تلاقح واحتكاك، أثّر في قراءة كل دين لنوع العلاقة مع الدين الآخر من الناحيتين الفلسفية والاستراتيجية، أي النفوذ والـهيمنة السيادية. فتنامى شكل العلاقة على اتجاهين: الأول (المواجهة الفكرية)، والثاني (المواجهة لأجل مدّ النفوذ على حساب الآخر). ولم ينشأ تطلّع أو نـزوع نحو علاقة تكامل وتعاون وحوار وإنهاء الـهيمنات.

فقد ظهرت المنافسات السياسية الحادة من فتح القسطنطينية، وظهرت في شكل الدعوة للسيطرة على القدس التي تطلبت السيطرة على بلاد الشام تحت دعوى حماية المسيحيين من إكراهات المسلمين، وظهرت استثمارات القوة في منتصف القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، مما سمّي بالاستعمار الغربي للعالم الإسلامي. الـهدف منه نهب ثرواته إلى جانب ظهور عدد من الدراسات الاستشراقية لمهاجمة ثقافة المسلمين وعقيدتهم([7]). ثم ظهرت في شكل إقامة حكومات قطرية رافقت تجزئة وتفتيت العالم الإسلامي، وتم تنصيب حكومات تتخادم مع التطلعات الغربية، وهذا كلّه ولّد أصلاً علاقة صراعية تتصاعد باتجاه المواجهة الحادة والساخنة، والتي وجدت نفسها مضطرة لقراءة التراث الإسلامي من جديد؛ لاستنهاض أية دافعية تخدم تلك النوعية من المواجهة، التي بدأت في نهايات القرن العشرين تتلمس وسيلة للتغلب على صعوبات عدم التكافؤ بين القدرات الغربية، وقدرات المواجهة لدى شعوب الشرق للـهيمنة الغربية، فاختارت الإدارات الغربية استخدام القوة المفرطة والحروب المدمرة، بينما اختارت بعض أشكال (المقاومة الإسلامية) طريق القتل الجماعي مضطرة، مما سمّي مؤخراً بالإرهاب، الذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية نقلـه من الساحة الأمريكية ـ الأُوربية إلى مكافحته على أرضه، فاختارت افغانستان والعراق، وربما ستختار بلداناً أُخر ساحة لتصفية (قدراته) وتجفيف منابعه، وكلا المطلبين، أي مطلب تبدل السياسة الأُوربية ـ الغربية من سياسة العنف والقوة والنهب والاستغلال واحتكار التقنية([8])، ومطلب السياسة الجهادية السلفية لدى معتنقي نظرية الإسلام الجهادي في الشرق الأوسط، صعب.

فهل ستسهم بحوث وتأملات وأفكار ونظريات الحكماء من المفكرين إلى إبدال هذه الأنماط من العلاقات بين الشمال والجنوب وحضارتيهما؟

وهل يمكن فتح نافذة من النور أمام ايديولوجية يشترك الغرب والشرق في تبنيها من خلال مبدأ حوار الحضارات، ونقد تراث كل منهما لفتح الطريق أمام استراتيجيات جديدة تتطلع إلى مجتمع عالمي إنساني تربطه علاقة المصالحة والتعاون والتكافل؛ لمواجهة كوارث البيئة في أُوربا، والمجاعة في إفريقيا، والتخلف في آسيا، وتنتهي باعتمادها سلوكيات الاستباحة الغربية لمقدرات شعوب الشرق، وتحرّم استخدام القوة وأسلحة الدمار، كما تحرم سلوكيات القتل الجماعي العشوائي لأسباب سياسية وعقائدية، مقابل واقع بقاء العلاقة صراعية تغذي دوامة العنف والعنف المضاد، وبينهما ستضيع تنمية الإنسان وتقدمه، ويشيع الخوف والرعب، وينعدم الأمن الدولي؟

وسوف لن يكتب النصر الحاسم لأحد الطرفين طالما استطاع الإنسان ـ في الغرب والشرق ـ أن يستخدم التقنية استخداماً للموت وليس استخداماً للحياة والسلام، فهل من اكتشاف لقيم جديدة في ثنايا تراث أُوربا، وتراث الشرق معاً مما يحفز على الخير والتعاون وفتح الآفاق الإنسانية، والتعامل مع المصالح على موازين الحق والعدل الدولي بأُفق أرحب من الانكفاء العرقي أو الديني أو الجغرافي، أو الاستراتيجي؟

وهل من تجليات إنسانية لثقافة الأديان ونظريات فكر الإنسان بحيث توظف في هذا المجال للوصول إلى مجتمع عالمي معافى من الدمار والحروب والقتل والتجويع، (الذي عانى الشعب العراقي من نموذج قاسٍ منه والذي سمّي بالحصار الاقتصادي على الضحية دون الجاني؟

هل من سبيل للتنازع عن ايديولوجيات الإحباط، والقراءات المأزومة للمركّب (المصالح ـ الثقافة) الذي يفرض ثقافة من خلال إكراه السلاح أو يدافع عن عقيدة أو مصالح من خلال وسيلة الموت الجماعي غير المميز بين المذنب والبريء؟

هل ازدهار أُمة على حساب إفقار أُمة استراتيجية يُكتب لـها الديمومة؟

هل (نظرية) إصلاح الشرق الأوسط من الخارج وسيلة للمصالحة أو وسيلة للإخضاع؟

وهل في الإسلام نص أساسي يوّلد الإرهاب؟ أم القراءات الانكفائية لـه تولده لا سيما حين يتساند معه ظلم الدول الكبرى لشعوب الشرق الإسلامي الفقيرة، ثم ظلم الحكومات في بلدان العالم الإسلامي لشعوبها المضطهدة، واعتماد سياسات التعسف إزاء توجهات تراثية يتمثل ذلك بإبعاد وإقصاء التيارات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة ومستنيرة وعقلانية؟

هل التخلف الاقتصادي والبطالة، والإثراء الـهائل لفئة قليل أو الإثراء الـهائل لدول الغرب على حساب اقتصاديات الشعوب المظلومة دافع لممارسة العنف في العالم الإسلامي؟

هل يحتاج العالم الإسلامي إلى تطوير اقتصادياته بالتعاون مع دول العالم المتقدم؛ لخلق دخول كافية تمنح من تداعيات الشعور بالإحباط، حتى يتساوى الموت والحياة، مما يشجع عل العمليات الانتحارية؟

هل يحتاج العالم الغربي لأن يتفهم أن الأمن الدولي أصبح مسؤولية مشتركة بين دول العالم وشعوبه؟

من هذا العرض يتبين أن الأسباب الدافعة لممارسة العنف السياسي والعقائدي في بلدان منطقة الشرق الأوسط هي:

1 ـ القراءات المتعصبة والانكفائية للإسلام، التي لبعضها ظروف وصيرورة تاريخية، ولبعضها الآخر إكراهات معاصرة.

2 ـ سياسات الغرب تجاه منطقة الشرق الأوسط، وممارسة الحروب والتدمير ضد بلدانهم، ونهب ثرواتهم، واحتكار التقنية عنهم.

3 ـ تخلف اقتصاديات الشرق الأوسط إلى جانب سوء التوزيع في بلدانهم، وثراء العالم الغربي على حساب حقوق الحياة عندهم.

4 ـ المساندة الدائمة والمطلقة من أمريكا والغرب للكيان الصهيوني رغم ممارساته الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والإعراض والتمرّد المستمر على الشرعية الدولية، وقرارات الأُمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية.

5 ـ دعم الغرب للحكومات المحلية المتخادمة مع السياسات الغربية، ودعم توجهاتها القمعية والإلغائية، ودعم ديكتاتوريات السلطة في بلدان العالم الإسلامي.

6 ـ الحرب الثقافية الغربية ضد الثقافة الإسلامية، واشتراك وسائل تشكيل الرأي العام بتشويه صورة المسلم في العقل الغربي. وتأسيس وتطوير الاغتراب الحضاري لدى أبناء شعوب الشرق الأوسط.

7 ـ تشجيع الغرب (لمجموعات متطرفة) لتنفيذ مآربها الآنية، مما يجعل هذه المجموعات تتقوى فتنقلب على سياسات الغرب فيما بعد. وكمثال على ذلك (مجموعات طالبان، ونظام صدام حسين الذي قام بدعمٍ محايد للغرب).

8 ـ عدم المساهمة في التنوير الموضوعي للإنسان المسلم؛ لخلق توجّهات منفتحة ومستنيرة.

وبعد استعراض أبرز الأسباب ستتناول هذه الورقة جزءاً من السبب الأول وتحليلاً وتأثيراً وإشكالية لـهذه الورقة.

المبحث الثاني: أُصول العقل المعرفي الإسلامي، النص القرآني وقراءات المفسرين

يشاطر الكثيرون من يرى أن العقل المعرفي العربي قد مرّ بمرحلتين، مرحلة ثقافة ما قبل الإسلام، ثم مرحلة الثقافة المؤسَّسة على النص القرآني، والأُولى فيما يعتقد الكثيرون لم تترك أثراً واضحاً لسبب بسيط هو احتواء الثانية للأُولى تصحيحاً أو إقراراً أو إلغاءً بحيث لم تعد واضحة الأثر.

أما الثانية، فإنها شكلت العقل المعرفي للمسلمين عرباً كانوا أو غير عرب على تفاوت في التمثل ونمط القراءة([9])، وهذه الثقافة لـها أُصول أساسية أولية، الأصل الرئيس فيها هو (النص القرآني الموحى به)، وهو نص نـزل خاتماً للنصوص السماوية ومعجزاً في صياغته، وجوهر إعجازه تعدد دلالاته بما يتوافق مع استمرارية الزمان وتعددية المكان (البيئات الحضارية) ومستوى الوعي البشري لحقائق الوجود، ويعتقد الكثيرون أن قضية المحكم والمتشابه([10]) إنما جاءت في النص؛ لكي يستمطر كل جيل من علماء الأُمة من النص الثابت في لفظه والمتعدد في دلالته ومضامينه الموقف من كل إشكالية تستجد في واقع مجتمع أو بيئة، وإمكان النص الذي تتعدّد فيه القراءات يجعل منه نصاً مفتوحاً على التأويل، وتتعدّد فيه الرؤى، وكل رؤية وتمثل وتأمل واستنتاج لـه جذره الذي يستند إليه، أي أنه يشتمل على قدر من المشروعية والمستند، ويبقى الحوار في مدى مقبولية الاستفادة التأويلية من النص([11]).

وحضارة ـ مثل حضارة المسلمين ـ تنعقد في أصلـها على نص مفتوح على التأويل توهم بأنها غير منضبطة، إلاّ أن الحق أنها أكثر ضبطاً من حضارة تقوم على أساس فكر بشري رائد متقدم على عصره، يلحق به سريعاً الجيل التالي فيتناول النص الأصلي المؤسِّس بالتحليل والتفكيك، حتى يصل به الحال في بعض الأحيان إلى مناقضة ذلك النص بالضد. أما النص الرّباني فيبقى دستوراً ثوابته (الآيات المحكمة)، وكل التأويلات تجري على أساسه ومعاييره، لذلك فإن الحضارة الإسلامية في أصلـها المؤسِّس تستند إلى (النص المنـزل) أكثر ضبطاً، ويلحق به مشكلاً العقل المعرفي النص المفسَّر للنص المؤسِّس، سواء كان من السنة (وهو أعلى مرتبة) من النص البشري، أو من (آراء المفسرين) والفقهاء والشرّاح والمتكلمين، وعموماً فالكل يسهم بدرجات في تشكيل العقل المعرفي الإسلامي.

ولو راجعنا النص القرآني نجد فيه عشرات النصوص التي تدعو إلى التعاون والتكافل بين البشر، وتحترم تلك النصوص وتقدس حق الحياة؛ لأنها هبة اللـه للبشر، وإلى جنبها نصوص تدعو للدفاع عن الحياة والإنسان والوجود العقائدي، وحرية العقيدة ومصالح الجماعة المنضوية تحت منظومة الاعتقاد، ولو نظرنا بطريقة متوازنة لكلا المجموعتين من النصوص، فلا نجد حاكمية من النمط الأول، أي (آيات التعاون بين البشر) على (الآيات الجهادية)، ولا نجد العكس، فلكل من الوقائع أحكام خاصة بها، إلاّ أن قراءات المفسرين أوجدت حاكمية الآيات الجهادية على آيات التعاون بين البشر.

فالمفسرون المنتمون إلى تموضع السلطة، والخاضعون لمقتضياتها ربطوا بين مصالح الدولة ومصالح العقيدة، أي أن كل تمرّد على الدولة أو إساءة لـها إساءة للعقيدة؛ لأن منطلقهم كان حماية السلطة أكثر من حماية العقيدة، وجعلوا الجهاد لأجل عقيدة الدولة أكثر مما هو رد للعدوان على مجتمع العقيدة.

بينما المفسرون المنتمون إلى (تموضع المعارضة) انطلقوا من التأكيد على حقوق الإنسان داخل الدولة أولاً، وهذا ألزمهم بالاعتراف بحقوق الإنسان مطلقاً، سواء المسلم أو غير المسلم؛ لذلك عاملوا آيات الجهاد على أساس أنه (قرار يتخذه حكماء يقدرون فيه ضرورة وأهدافه ووسائلـه)، وعليه فالجهاد تكليف جماعي عند الشيعة، وهو تشريع للأُمة وليس للأفراد، ولا يتخذ قرار الجهاد إلاّ بمراعاة مقاصد الشريعة (الأدلة العليا)، وحكمة التشريع، وحسابات الجدوى، وليس تطبيقاً تجزيئياً للنص([12]) خارج هذه المكملات الضرورية لحيثيات القرار.

والعقل الشيعي وإن لم يلج علم المقاصد ولوجاً عميقاً، إلاّ أنه جعل قضية الجهاد خاصة مرهونة بـ (حسابات القدرة والجدوى والـهدف البعيد والتداعيات)، واعتبره قرار الأُمة وليس قرار الأفراد؛ لكي لا يتخذ الفرد أو المجموعة قراراً دون مشورة حكماء الأُمة، ولا بد أن يجري تحت راية إمام شرعي لـه مؤسساته الدستورية، أما الدفاع الشرعي عن النفس أي ما يطلق عليه (بيضة الإسلام) فهذا لـه أحكامه الخاصة عند بعض فقهاء الشيعة، ويلحق بأحكام الجهاد عند غيرهم([13]). ووسائل الجهاد والدفاع عند الشيعة متعددة لا تنحصر بالقتال، فمنها المقاطعة الاقتصادية، ومنها الحث على قطع الصلات الدبلوماسية([14]).

ويرى مفسرو الشيعة أن قضية النسخ في القرآن قليلة جداً لا تتعدى آية أو آيتين([15])، في حين يصرّ المفسرون من باقي المذاهب على مقولة النسخ ويتوسعون فيه، وثمرة هذا الخلاف أن الآيات التي تؤكد على السلام والتعاون ادُّعي عليها النسخ، لإحباط أثرها على العقل المعرفي الإسلامي، وكمثال على ذلك، قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً<([16])، والأمر الربّاني للنبي 2 بقولـه تعالى: >وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لـها<([17])، وقولـه تعالى: >ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلـهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ<([18])، وقولـه تعالى: >أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ<([19]). كل هذه الآيات ادُّعي عليها النسخ بآيات الجهاد والقتال، وفسروا قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللـه أَتْقَاكُمْ<([20]) بأنه التعارف، أي (معرفة الآخر) وليس التعامل (بالمعروف) الدالة عليه آخر جملة تأكيدية في الآية([21]). بل، إنّ أداة النفي وإلغاءه بالاستثناء المفيد للحصر في قولـه تعالى: >وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ<([22])، يؤكد على أن إرسال النبي كان لإشاعة أُخوة البشر، وتعاونهم بلا حصر بعقيدة أو عرق، وإلاّ فكيف تتحقق الرحمة من دون ذلك؟ وكيف تفهم لفظة (العالمين) إذا كان المسلمون جزءاً من (المجموع البشري) الذي يشاركنا الأرض والبيئة؟

لذلك حرّم القرآن الكريم إفساد الأرض والإساءة إلى البيئة الطبيعية والبشرية فقال: >فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللـه<([23]).

ثم جاء الأمر الربّاني بالتعاون مع المجتمعات التي لم تدخل معنا في صراع مسلح فقال: >لا يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللـه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ<([24]).

ولو طالعنا تفسير الطبري([25]) وابن كثير([26]) والنيسابوري([27]) من القدماء، ودروزه([28]) من المعاصرين وابن عاشور([29])، وآراء الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم([30])؛ لوجدنا أن قراءات هؤلاء جميعاً كانت قراءات bتموضعت حسب مقتضيات سياسة الدولة ومقولات السلطةv.

أما الشيعة الإمامية، فإننا نرى أن الشهيد الثاني يؤكد على أن الجهاد لا يجب إلاّ مع عدوان الغير على المسلمين([31])، وكذلك السياغي وصاحب البحر الزخار من علماء الشيعة الزيدية، وإلى حد كبير تأثر بهم الحنفية فنرى بعض هذه الآراء تسرّبت إلى مدوّناتهم.

لكن القرآن (بوصفه نصاً حمّالاً للوجوه) مما يمكن الإفادة منه للوجوه كافة، فلو أخذنا حزمة (موضوعية) من آيات في موضوع الجهاد وجعلناها حاكمة على الآيات الأُخر؛ لتحملنا مسؤولية عدم استمرار القتال طيلة حياتنا، طالما بقي في الأرض (غير المسلم)، ولو أخذنا حزمة موضوعية لآيات (السلام والتعاون) وجعلناها حاكمة على آيات الجهاد، لأسقطنا واجب الدفاع الشرعي عن الوجود الإسلامي، ولو أخذناهما معاً بلازمة التعارض والترجيح لرجح الحاكم على المحكوم من الحزمتين، ولو عاملناهما كل في مجالـه مع إشراك الواقع مرجِّحاً لاتخاذ القرار، وإشراك الحكماء في عقلنة مقتضى النص، لوجدنا أن قرار (قتال الغير) لا يتخذ بصورة فردية؛ لأن قضية القتال وما ينتج عنه من تدمير الثروات والبنى الأساسية للمجتمعات، وإشاعة الخوف والرعب، وإزهاق الأرواح ليس قراراً سهلاً، بحيث يتخذه فرد أو مجموعة أفراد يتفهمون النص على وجه من وجوهه، ثم يلزمون الناس بفهمهم، فيتخذون قرارين أحدهما إعلان الحرب، والمواجهة المسلحة بدون مشاركة حكيمة وعقلانية (لأهل الحل والعقد)، والآخر تكفير من لم يوافقهم في القرار على ما في ذلك من نتائج خطيرة ومدمرة، واعتبار من لم يوافقهم الرأي كافراً أو مرتداً يستحق الموت، وتهدر حياته ودمه، وتسقط الحرمة والحصانة عن أموالـه، ولعل هذا منتزع عندهم من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو في حقيقته التوعية الداخلية والتثقيف أو تهذيب السلوك لصالح الأهداف السامية للشريعة والأُمة معاًv، لكنها سيقت مبرراً لمعاقبة الغير مفسرين النهي (بالمعاقبة).

ويسندون قضية المعاقبة إلى حديث النبي 2: bمن رأى منكم منكراً فليغيره بيدهv([32])، واليد كما هو لفظ دال على القوة، فإنه يدل على العطاء، أما العنف فهذا ليس تشريعاً للأفراد إنما تشريع للأُمة، ولا يحق لمجموعة أن تتولى تكليف الأُمة كلـها منفردة دون إجماع أو أغلبية منهم، أو دون أن تعهد الأُمة لـهم بتنفيذ التكليف من خلال سلطة مستنيرة شرعية مؤسساتية مدركة ضابطة تدرس ردود الأفعال، وتدرك مدى ما يؤدي ذلك التصور لمعنى النهي عن المنكر إلى الإخلال بالنظام العام، الداخلي أو الدولي، والصحيح والعقلاني أن توازن (قيادة عقلانية حكيمة) بين مفسدتي المنكر، وتداعيات النهي عنه، فلعل عنفاً يؤدي إلى إصلاح المجتمع، ولعل عنفاً يؤدي إلى دوامة من الكراهية والرد بالمثل، ولعل نهياً عن منكر يتم من خلال وسائل غير مسلحة مثل الممارسات الاحتجاجية، كالمظاهرات والاضرابات والاعتصامات وغيرها، وهذه إذا حصلت إن لم تمارس بطريقة محسوبة جيداً، فأنها تتسبب في فوضى داخلة وتستعمل في أهداف بسيطة بحيث تفقد فوائدها، لذلك فكل من وسائل الجهاد الدفاعي ووسائل الأمر بالمعروف للإصلاح الداخلي لا يخضع مباشرة للمتلقي للنص فينفذ مقتضاه بفهمه لـه أو بفهم مجموعته لـه دون الرجوع إلى رأي أغلبية الأُمة من خلال قادتها وحكمائها ومجتهديها، ولا بد من حساب (المفسدتين) أيهما الأشد، فيحتمل الأخف لدفع الأشد، كما هو مقتضى القادة العقلية والشرعية، معاً، ولا تعمم الحالات والمواقف، فلابد من أن تدرس كل حالة بخصوصها، ففي حالات يجد العقلاء أن السكوت أجدى، وفي أُخرى يجدون أن الحوار أوفق؛ لأن لخسارة المجموعة الجهادية في الصراع المسلح لـه تداعيات تدمير البُنى الارتكازية، وفرص التقدم، وهدر الطاقات البشرية والمادية، وضياع هذه القوى حينما يراد استعمالـها ـ بوضع أفضل ـ كقوة ضاغطة، أو قوى رادعة، فبخسارتها ـ لقرارها غير المدروس ـ تضيع على الأُمّة مجموعة معطيات، وبذلك تتسبب المواقف غير المحسوبة على (الجدوى) بإتلاف مجموعة مصالح تملك الأُمة حق استيفائها بالوقت الذي يرى حكماؤها أنه الوقت المناسب للمواجهة ـ وبالطريقة التي يختارونها ـ فهذه الطاقات مدخرة لذلك الوقت، وبإهدارها يبقى القرار الصحيح والسليم والمجدي فاقداً للقوى المنفذة لـه.

السنة النبوية والعقل المعرفي

عرّف العلماء السنة النبوية أنها أقوال النبي 2 وأفعالـه وإقرارته([33])، وحاول بعضهم التعامل مع السنة بوصفها نصوصاً مطلقة لا تقل عن إطلاقية القرآن الكريم، واختلفوا في الصحيح منها من دون الصحيح وصولاً إلى الضعيف والموضوع من جهة الصدور، كما ظهرت بصورة غير جلية اتجاهات ترى أن ظروف عصر النبي 2، وأُسلوب قيادته للجماعة المؤمنة في مكة، والدولة في المدينة تضطرنا للتعامل مع النص النبوي اعتبار الظروف الموضوعية لصدور الحديث أو الفعل، إلى جانب اختلافهم في دلالة الحديث ـ وإن كان من حيث الكم ـ أقل من الاختلاف في دلالة النص القرآني؛ لان القرآن نص معجز، والحديث النبوي لا إعجاز فيه، ويرى آخرون أن سلوك النبي هو عبارة عن التفهم الأرقى للمقولات القرآنية، وإن كان تفهماً بشرياً لما ورد في القرآن >قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ<([34]).

ويرسم القرآن الكريم صورة نبي الإسلام رسماً مختلفاً عن صورة عيسى A في العهدين القديم والجديد، وصورة موسى A، فهو في المسيحية تجسيد للرب، فماهيته ربوبية، لذلك جاءت آيات الإنجيل عبارة عن سيرة الرب، الذي جمع بين كونه الإلـه والمرسل بكينونة مزدوجة، بينما في اليهودية فإنه بشر يخطئ ويتمادى، وكل الرسل في العرض التوراتي كذلك ربما يقترفون الجرائم، أما نبي الإسلام فهو إنسان يوحى لـه، وقد سدده اللـه في القول والعمل، وأوهبه التفهم الأرقى لكلمة اللـه، لذلك جعلت نصوص القرآن من حيث المضمون معياراً لصحة الحديث النبوي، فما خالف القرآن فلا يعتد به مما رواه الناس عنه، فالعلاقة بين السنة مجملاً والقرآن كالعلاقة بين متشابه القرآن ـ في تفهم الناس ـ ومحكمه؛ لأن المحكم هو الضابط لـهذا التفهم، ولأن الخلاف على السلطة السياسية بعد النبي 2 أصبح محور الخلاف بين الاتجاه الشيعي والاتجاه السني، فقد تحول هذا الخلاف من النطاق السياسي إلى النطاق التدويني للحديث النبوي، وهذه من أخطر إشكاليات تدوين النص.

وعموماً فقد صار للشيعة مدونات حديثية يرجعون إليها ويعتقدون بطرقها وبصحة أغلب ما ورد فيها([35])، بينما انصرف أهل السنة إلى مدوناتهم التي كتبت تحت رقابة السلطة السياسية، وعبرت عن مقولاتها في الغالب، فاعتبروا (صحاحها) حقائق لا تقبل التشكيك في صدورها عن النبي 2([36])، وترك للناس تلقيها وحفظها والعمل بها بلا توسط الاجتهاد في فهمها في ضوء مقتضيات الواقع المتجدد والمقاصد العليا للشرع، وعلى الرغم من كل هذه التعارضات، فلقد اتفق محدثو الشيعة والسنة في كلتا المجموعتين من مدونات الحديث على صدور أحاديث عن
النبي
2 تشكل العقل الإسلامي تشكيلاً حضارياً إنسانياً بنّاءً، لا يلجأ إلى القتل والعنف إلاّ في الحالات التي يجدها ضرورية، فالحرب والقتال في مجمل المشروع الحضاري الإسلامي الذي أسسته نصوص القرآن والسنة النبوية استثناء إزاء قوانين قدسية الحياة، ولعل هذا ما تتفق عليه أيضاً عقول البشر كافة، ولكن إلى جانبها عشرات النصوص التي تؤكد على حق الإنسان في الدفاع عن وجوده وعقيدته ونفسه ومصالحه ومصالح مجتمعه وإقليمه بالوسائل المجدية، والأقل تدميراً مما يحقق لـها أهداف ذلك الدفاع ومع الأمرين معاً، فإن القاعدة الأساسية للصلات والعلاقات بين البشر هي قاعدة أُخوة البشر كافة وتعاونهم فقد قال 2: bكلكم لآدم وآدم من ترابv([37])، وقال: bالناس سواسية كأسنان المشطv([38])، وقال: bحب لأخيك ما تحب لنفسكv([39])، ولو أردنا استعراض هذه الشواهد لبلغت المئات.

ولم يكن اختلاف العقيدة فيما ورد عنه 2 سبباً في إزهاق الأرواح، فقد عاش 2 في مكة أكثر من عقد من السنين بين من يخالفونه بالعقيدة ويعارضونه، بل يقاتلونه ويعذبون أصحابه، ولكنه لم يتخذ سلوكاً عنيفاً ضدهم مع قدرته على ذلك، ثم هاجر مع أصحابه إلى يثرب وامتلك وسائل الدولة وقوتهاً، ولم يبادرهم بحرب أو قتل أو إرسال مجموعات إلى مكة لتقتل مخالفيه، وكان ذلك عليه من أسهل التدابير بيد أنه صدَّ هجمات مخالفيه دفاعاً عن نفسه، ولم تظهر في سياساته سلوكيات انتقامية ولا ضربات استباقية.

أما سياسته الداخلية في المدينة المنورة التي كان يسكنها اليهود ومن بقي على دينه، وطريقة عبادته، فقد كانت سياسة جامعة بناءة حقوقية دستورية، جسدتها صحيفة المدينة([40]) التي رسمت للكل ـ على اختلاف تنوعهم ـ حقوقهم وواجباتهم، وفيها يحدد حق الجوار فيقول: bإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم إلاّ من ظلم وأثمv([41])، ثم دعا اليهود للرجوع إلى كتبهم حتى يلتمسوا وعد اللـه لـهم بإرسالـه ثم قال: bفإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغيv([42])، وفي صلح الحديبية نجد معاهدة للـهدنة والسلام وتبادل المصالح والمنافع تعقد مع اختلاف العقيدة، وعقيب معارك شرسة أُزهقت فيها الأرواح وسالت فيها الدماء فانتهت إلى المسالمة والسلام، وأغاث 2 أهل مكة وهم مشركون، فأرسل لـهم في مجاعة ألمت بهم غوثاً منه([43])، كل ذلك إلى جنب مئات النصوص التي تهذب وتخفف ويلات الحروب، وتراعي الأسرى والعزل والمدنيين وغير المحاربين، والتي تلزم المسلم بالرفق والإحسان لغير المسلم([44]).

وهذه الشواهد ـ كما قلنا ـ موضع اتفاق بين التدوين السني للحديث والتدوين الشيعي، وإلى جانبها نصوص تحث على الصبر والمقاومة والمرابطة والفروسية والمكافحة للعدوان، فغلّب (الرسميون ومثقفو السلطة وكتاب السلاطين) أحاديث القتال والجهاد والحروب على أحاديث السلام والبناء وازدهار البشرية كافة، على طريقة الناسخ والمنسوخ، وكذا الحال في كتب التاريخ والسيرة النبوية، حتى أن واقعة فتح مكة وطريقة تعامل النبي السامية مع أعدائه التاريخيين، أوجدت لديهم إشكالية في تفسيرها، من جهة كتّاب سيرته، التي صوروها نـزاعة للعنف.

وتروي السيرة أنه 2 بعث خالد إلى أسفل تهامة داعياً، فتصرف خالد وقتل أُناساً من بني جذيمة من كنانة، فوصل أمره إلى رسول اللـه 2 فارسل علياًA ومعه تعويض لكل منهم، حتى رضوا، فقام الرسول 2 وقال ثلاثاً: bاللـهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليدv([45])، وختم عمره الشريف في حجة الوداع وهو ينادي: bإن دماءكم وأموالكم عليكم حراماً إلى أن تلقوا ربكمv([46])، مؤكداً في ذلك حق الإنسان مطلقاً بالحياة، وحقه في الملكية.

الإجماع:

وهو الأصل الثالث من الأُصول الرئيسة المؤسِّسة للعقل الإسلامي، وقد عرّفه العلماء أنه (اتفاق العلماء على حكم ـ تعددت دلالة أصلـه ـ فاتفقوا على واحدة منها)، وهذا الأصل ـ على وجاهته ـ لم يقع في تاريخ أية أُمة إلاّ على الكبريات والبديهيات والمتفق عليه مما يندر للخلاف فيه، وفي الغالب تصور الأغلبية الموافقة على أمر ما ـ لأي سبب من الأسباب ـ إجماعاً، بصرف النظر عن ظروف حصول هذه الأغلبية، حتى صار دليلاً لابد أن يقام عليه الدليل مما يلزم فيه الدور، والأكثر إشكالاً أنه قد ادّعاه كل مخالف على مخالفه، وردّ المخالف بادعائه أيضاً، فتوحد في المفهوم وتعدد في المصداق، وهو فيما أعتقد جسر الوصل أو المنطقة الوسطى بين النص والاجتهاد الفردي، أي أن الاجتهاد الجماعي يأتي بالدرجة التالية بعد النص([47]).

الأدلة العقلية (الاجتهاد)

وهو الأصل الرابع المؤسِّس للعقل الإسلامي، ومرادهم منها مختلف، فالأدلة العقلية: مفهوم جامع شامل تعددت آلياته عند المفكرين المسلمين، فذهب الشيعة إلى مفهومه الأشمل بما سمّوه المستقلات العقلية، وذهب أهل السنة إلى أنه القياس والاستحسان والمصالح والذرائع والعرف وغيرها من الأُصول، وفي ظني أن مصطلح الاجتهاد جامع لاستخدام هذه الآليات.

وقضية الاجتهاد، قديمة قدم النص، فقد اختلف العلماء في أن النبي 2 هل كان يجتهد عندما تحصل واقعة ليس فيها نص؟ وأقر الجميع باجتهادات الصحابة، وتشكلت مدرستان: إحداهما تقف عند النص وهي bمدرسة المدينةv التي انتجت مذهب مالك وأحمد والظاهرية؛ وثانيهما تتوسع في الرأي والقياس وهي bمدرسة الكوفةv التي نشأ عنها مذهب أبي حنيفة، ويقال: إن مذهب الشافعي أفاد من المدرستين فتوازن، واتخذ أهل البيت G طريقاً ثالثاً يضع النص في موضع الموجّه، ويضع العقل في موضع الجامع بين مقتضى النص ومقتضى واقع الموضوع، ويأخذ بالاعتبار أنسنة القرار ثم يقضي بالواقعة على وفق هذه المداخلات.

وبعد عصر الأئمة الكبار تعاظم مفهوم الاجتهاد واتسع، وتكاملت آلياته حتى أواخر القرن الرابع الـهجري، فحصل تدهور في مجتمع الدولة الإسلامية مما أدى بالرسميين إلى حصر الاجتهاد bبما قالـه الأئمة الأربعةv، ولم يسمح لأحد أن يقول في أمر ما فتح اللـه به عليه إلاّ إذا أسنده لواحد من الكبار، ولم يلتزم الشيعة بهذا، واستمروا ينادون بوجوب الاجتهاد في الأُصول والفروع وجوباً كفائياً، مستندين في ذلك إلى أنه من ضروريات الحياة، ومن ضروريات الإفادة من النص. فالدين ـ بلا اجتهاد ـ يقرأ قراءة تاريخية، ويسبقه الزمن بمبتكراته، ويضطر المسلم للتعامل مع المستجدات خارج أُطر الضبط الشرعي، أو يتخلى عن التواصل مع الحياة وهذا فرض صعب، ويرى الشيعة أن الواقع متغير ولا متناه في وقائعه، والنص (متناه) في اللفظ، لا متناه في المعاني والمضامين المكتنـزة به، لذلك فالرابط بين النص والواقع هو الاجتهاد؛ لكي يستمر الفهم الصحيح والسليم للإسلام من خلال هذا المركب.

إذن، فالاجتهاد ضم مقتضى الواقع لموجّهات النص، والتخلّي عنه يؤدي إلى إحلال فهم سابق (غير واقعي) للنص، مما يؤدي إلى تصادم بين رسم سياسات للحياة المتجددة وسياسات للتقدم مع النص، وتقع القطيعة بينه وبين هاجس التقدم، وباستمرار الإغلاق تستمر القطيعة. ومن المؤسف أنه لم يغلق الاجتهاد الفقهي فقط، إنما غُلق الاجتهاد في كل مستويات المعرفة، وأُصيبت الأُمّة بالركود، فساير الأُوربيون العصر، وتوقف المسلمون في عصور مظلمة دامت ثمانية قرون، تراكمت فيها القطيعة بين الواقع والنص، والواقع والعقل الإسلامي المقيد بوقف الاجتهاد، وتعاظمت القطيعة بين المسلمين والإنسان خارج العالم الإسلامي، حتى أفاق المسلمون في القرن التاسع عشر على غزو أُوربي يمتلك تفوقاً في منهج البحث والتفكير، والمعرفة وتطبيقاتها، لا