المال والسياسة والهوية

21 ديسمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

الهوية سؤال الكيف الذي له صولات وجولات على ساحات الفكر والثقافة بين المفكرين والمثقفين,من مناهض لعولمة الهوية الإنسانية إلى مبرر للواقع وانعكاساته على الهوية,إلى مؤيد بشكل تام لتحويل الهوية إلى هوية عولمية وليست عالمية والفرق شاسع والبون واسع.ونادرا ما وجدنا من يتبنى إنشاء وبلورة نظريات بذاتها ومن الذات منطلقة لتحصين الهوية والارتقاء بها إلى مستوى مقاومة جامحة وقادرة على منع التمييع وكسر حواجز المنع من التلاقح المفيد المثري مع الآخر.

 

واليوم في عالم يعيش كل التناقضات على المستوى الفكري والثقافي بل والتعارضات التي عسكرت وخندقة الإنسان بل شيأته ليصبح وسيلة لتحقيق غايات وأهداف مادية بدل أن يكون الغاية التي يجب أن يسخر لها الكون للحفاظ على كرامتها وكينونتها الانسانية,تتربع سلطة المال على عرش كل السياسات لتعولم منهاج رأسمالي يكرس تشييء الانسان وتمييعه وجعله في خدمة الانتاج.

 

*بين جدلية العلاقة وتناغمها:

 

الإنسان محور علاقات كونية أهمها ومنظمها خارج الحدود الكونية بل هو جاعل لها ومكونها ومؤسسها وفق سنن تحكم هذه العلاقات وتنظمها.

 

وهذه العلاقات الكونية هي:

 

1.علاقة الانسان مع أخيه الانسان

 

2.علاقة الإنسان مع الطبيعة

 

أما المنظم لها والخارج عن حدودها الكونية فهو الله تعالى لتتشكل لنا علاقة محورية في توجيه العلاقتين السابقتين على أسس قيمية وفكرية سليمة وهي:

 

3.علاقة الانسان مع الله

 

فإن كانت العلاقة تتناغم بين الانسان وأخيه الانسان وهو والطبيعة مع محورية الدوران الكوني حول التوحيد أصل الأصول فإن العلاقة ستتسم بالتناغم والتلاقح والتناهض نحو الكمال,لأن الأساس والمنطلق القاعدي لها نحو كل هذه العلاقات يرسخ بعدين رئيسين في بناء شخصية الفرد والمجتمع المتوازنة وهما البعد المادي والمعنوي دون أن يغفل عن أحدهما أو يرجح كفة أحدهما على الآخر,بل ينظم كل الحاجات في أبعادها المادية والمعنوية وفق أسسه القرآنية التي تشكل أهم  مصدر معرفي.

 

وأما إن كانت العلاقة بين الإنسان وأخيه الانسان وهو والطبيعة خارجة عن محورية التوحيد الكونية السنن,فإن العلاقة ستتسم بالجدلية والإلغائية المتعاظمة الذات والمتضخمة الأنا,لأن الأساس والمنطلق القاعدي لها نحو كل هذه العلاقات لا يرسخ إلا بعد واحد في بناء شخصية الفرد والمجتمع وهو البعد المادي هاملا البعد المعنوي مما يخلق شخصية مفرطة بتشديد الراء,بالبعد المعنوي لحساب البعد المادي فيختل التوازن وبالتالي يختل النظام المؤسس للفكر.

 

ومن هنا قد يتبين لنا عدة أمور:

 

1.جدلية العلاقة في الذات في الحالتين أي في حال وجود التوحيد كمحور كوني منظم أو عدم وجوده.

 

2.جدلية العلاقة بين الحالتين الأولى والثانية.

 

3.تناغم العلاقة في الذات وبين الحالتين.

 

 

 

ووفق الحالات الثلاث سننطلق نحو تشكيل رؤية عن المال والسياسة وأثرهما على الهوية.

الرأسمالية :

اليوم تشكل الرأسمالية الفكرية قاعدة تنطلق منها كل الأفكار والفلسفات  والنظريات الاقتصادية ليصبح المال محور السياسات والقائم عليه والموجه لها في العالم .

فالرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعاً في مفهوم الحرية.

وبما أن الرأسمالية تنطلق من قاعدة حرية الفرد المطلقة في تجميع الثروة وبكافة السبل التي بدورها تنطلق من قاعدة الحريات العامة في الليبرالية التي تؤمن بأصالة الفرد وتستبعد محور التوحيد الكوني الذي ينظم الله فيه كمرجعية قانونية سننية كونية كل العلاقات فبالتالي سيكون المنطلق يركز على البعد المادي في الانسان ويحوله إلى وسيلة وآله لتحقيق الغايات الكبرى للرأسمالية في الهيمنة والسيطرة,وستوجه كل السياسات باتجاه تحقيق أهداف الرأسمالية المادية وستسخر كل الطاقات لذلك تسخيرا آليا.

 

وأبرز الأفكار التي ترسم إيديولوجيا الرأسمالية هي :

 

– البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب المشروعة، فلا يكون فيما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات مثلاً.أي هي تضع ضوابط عامة لحماية أمن واستقرار المجتمع بما لا يؤثر على كيان الدولة واستقرارها.

 

– تقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها وتوفير القوانين اللازمة لنموها واطرادها وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن.

 

– المنافسة والمزاحمة في الأسواق. وفي ظل غياب منظومة قيم وفتح الحرية الفردية المطلقة لتنامي الثورة إلا في حدود الضوابط التي تحمي استقرار وأمن المجتمع فإن الباب سيفتح أمام الجشع والطمع والاستغلال تحت شعار قدسية الحرية والملكية الفردية.

 

– نظام حرية الأسعار وإطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها. 

 

وفي ظل انفتاح عالمي لحرية بناء الثروة  وزيادة الانتاج وزيادة الحاجة للمواد الخام وعدم تغطية تلك المناطق الجغرافية في الغرب لهذه الحاجات ومع غنى منطقة الشرق الأوسط أو آسيا إن صح التعبير بالأسواق من جهة وبالمواد الخام من جهة أخرى فإن اجتماع هذه العوامل دفع تلك الدول في فترة زمنية لاستعمار منطقنا لتهيمن بشكل مباشر على منابع الثروة وتديرها بما يعود بالنفع على اقتصادها ورفاهية شعوبها .فلترويج منتجاتها تحتاج إلى أسواق ومواد خام لإعادة الانتاج التي تحتاج لها هذه الأسواق وهو ما يدفعها للبحث الدائم عن أسواق ثرية ومستهلكة و يتطلب الدفع نحو سياسات امبريالية تهيمن وهذه السياسات لم تنفع معها الحلول العسكرية لأنها تخلق لها توترا دائما داخليا وخارجيا,ولذلك كان البديل هو الغزو الفكري والثقافي القائم على الاحلال الهادئ الممنهج المعتمد على مصطلحات داخلية ولكن بمدلولات خارجية قادرة على تغيير الوجهة الثقافية والفكرية.ولعلنا نعيش هذه الأيام مظاهر حرب ناعمة نواتها رسم خارطة عقول النخب وصناعة وعي الشعوب وفق مفاهيم ظاهرها متفق عليه تماما لكنها وعاء يحمل ثقافة وبنيات فلسفية وفكرية تنطلق من بنية الغرب الفكرية بكل أبعادها المادية ومفهومها للأخلاق والقيم والطبيعة والكون والإنسان . 

"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري ال